يبدأ كلامه بقوله : (
حاشا لله ليس من طبعي الكلام عن الناس،، فمبدئي دوما بأن أترك الناس في حالهم ) ..
وثوان بسيطة بعدها تراها يفتح بابا لا يٌغلقه في الحديث عن فلانة وفلان وهذا وذاك
ويأتيك بأخبار من كل حدب وصوب.. وعندما تطلب منه التوقف عن الخوض في الناس وحياتهم
يعود ويؤكد لك بأنه لا يتكلم أبدا عن أحد!! وعندما تبتعد عن حديثه متعللا بأشغال
الحياة هربا من المشاركة في حديثه سيخبرك بأنك لا تحب مجالسة أصحابك وأصدقائك..
منذ فترة ليست بسيطة
كانت خطبة الجمعة معنا عن الغيبة ، وتطرقت لمفهوم بسيط وعام لمعنى الغيبة وهو : أن
تتكلم عن البشر بكلام لا تستطيع أن تقوله أمامهم.. هذه هي الغيبة،، حتى وإن كنت
تظن بأنك تقوله من إشفاقك عليهم، فالأولى بك حقا إن كنت مشفقا عليهم مصارحتهم بما
يجول في خاطرك وليس الكلام عنهم أمام فلان وفلانة..
لعل المتعارف عليه بيننا
بأن الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره،، ودوما نربط تلك الكراهية بأنها الشيء السيء،،
لكن عندما ننظر لمفهوم الغيبة بشكلها الأوسع وهو ذكرك البشر بكلام لا تستطيع قوله
أمامهم عندها ستتوقف حائرا وتقف وقفة مراجعة أمام نفسك، لتراجع مجالسك الكثيرة بين
أصحابك وأصدقائك وأهلك وأنت تقطع الوقت معهم بذكر البشر وأحوال حياتهم! ما أكثر
الحسنات التي ننزفها كل يوم من صحائف أعمالنا،، كل ذلك لأننا مشغولون بحياة البشر
وماذا يصنعون!!
السعيد من انشغل بنفسه
وأعمالها وسعى لصلاحها وتطويرها،، والمسكين من انشغل بحياة الآخرين وتتٌبع
أمورهم..
ودائما أتوقف أمام من
يقولون أمامك بأن قلوبهم مشغولة على فلان وحياته وماذا يفعل ويؤكد أن ذلك من حبه
لهم،، وعند سؤالك لهم : هل صارحتم من تتكلمون عنهم الآن بما تقولون؟؟ هل تكلمتم
معهم عن مخاوفكم عليهم؟ ويردون بأنهم لا يستطيعون ذلك ولم يخبروهم!! وذلك ما
يدهشني! فكيف نربط بين شفقتكم المزعومة وبين عدم مصارحتكم لمن تدعون أنكم مشفقون
عليهم.. هل ستقضون العمر في الكلام عنهم أمام الآخرين لكي تبينوا لهم أنكم على
اهتمام بهم وفي مقابل ذلك تعجزون عن الكلام أمام من تهتمون بأمرهم.. وتلك غيبة
كبيرة فما هي إلا كلامنا عن البشر بما لا نستطيع قوله أمامهم..
وذلك يُعيدني إلى نقطة
مهمة وهي انشغال البشر بحياة غيرهم وتتبع تفاصليها وينسون أنهم بنفسهم لديهم حياة
يجب أن يعيشونها،، وسألتُ أحدهم : لما تفعل ذلك؟ قال : لأجل التعلم منهم! فقلت له
: أليس الأسهل أن تسألهم مباشرة وتتعلم منهم ذلك من ألسنتهم؟؟ قال : لن يقولوا لي
شيئا! فكان الجواب : إذا لماذا تبحث عن حياة بشر لا يريدوك أن تفتش في تفاصيل
حياتهم.. وإن كنت صادقا في رغبتك التعلم منهم لكنت بادرت وسألتهم.. لكنه ذلك المرض
الذي يخالط بعض القلوب،، مرض السعي لمعرفة حياة الناس وخصوصياتهم.. وتناسوا نهي
الله تعالى الشديد عن البحث في أمور الناس والتجسس عليهم وغيبتهم والتكلم عليهم...
لقد بينتُ لصاحبي بأنني
لا أستطيع المكوث معه والجلوس لأكل لحوم البشر فتلك معصية وكبيرة،، فقال : لما هذا
التعقيد؟! وعن ماذا سنتكلم إذا؟! فقلت له ببساطة: أعطني تصريحك لأتكلم عنك أمام
الآخرين وأمام كل أصحابنا وتظل كل قصصنا دائرة حولك وعن حياتك،، فهل سيعجبك ذلك؟؟
فأجاب : طبعا لا!! فقلت له : كيف إذا هان عليك التكلم عن الناس في كل مجلس ومكان!!
إذا كنت تكره شيئا فلا تقم بفعله..
وعن ماذا سنتكلم؟؟ فما
أكثر أمور الحياة التي لن تنتهي أبدا ولن يتسع لها أي لقاء لنتكلم عنها.. ولكن عندما
حصرنا أحاديثنا في الكلام عن حياة البشر صار عندها كل حديث غيره غير مهم.. افتح
عقلك وبصيرتك،، فعقولنا وأفكارنا أمانة لدينا من الله لكي نستخدمها فيما ينفع
البشرية في الخير.. وحتما لن ننفع البشرية في شيء ونحن نتكلم في أمور تضرنا نحن
أولا!!
يستوقفني ذلك الإنسان
الذي يجعل من نفسه بسيطة جدا ويجعل كل همها البحث عن كل شيء يدور في حياة الآخر،،
وفي مقابل ذلك ، ماذا قدم لمجتمعه وأمته ووطنه؟؟ لاشيء غير عقل فارغ وطاقة ضائعة
مهدرة ونقاشات عقيمة تضر المجتمع بما تحويه من شائعات وطعن في الناس وغيرها مما
يفعله من لا يستخدم طاقة حياته وعمره إلا في تلك الجوانب.. حتما ستشعر بالشفقة على
كل شخص يجعل كل يومه هكذا،، يُصبح ويمسي على لا شيء!! ينام على لا شيء!! ويُقدم لا
شيء!! ليصبح في حياته وهو حي لا شيء!!
فكيف بعد مماته! تشعر بالشفقة على من يقع في معصية متوالية طول يومه وهو يظن أنه
يفعل خيرا،، تشعر بالحزن على مجتمع نرى العديد من أبنائه تشغل فكره ماذا فعل فلان
وماذا أكل ، وينسى أن يسأل نفسه ماذا فعل
وقدم في حياته..
نعم يا صاحبي وصديقي ..
أحبك وأريد لك الخير،، لكنني سأبتعد عن الخوض في حياة البشر،، ففي حياتي الكثير
مما هو بحاجة لإصلاح،، وفي حياتي الكثير مما أطمح لتقديمه وفعله.. وإن ضيعت تفكيري
ووقتي وطاقة عقلي في حياة البشر، فسأنسى أن لي حياة يجب أن أعيشها وسأنسى أن لي
هدف يجب أن أصل إليه.. وكما يُقال : ( فالفارغون هم أكثر الناس ضجيجا في الحياة )..
ولا أريد أن أكون منهم.. وحتى وإن لم أقِدم شيئا في الحياة،، فيكفيني أن أكف وأمنع
لساني عن الكلام في البشر.. فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده..
وكان آخر سؤال في ذلك
الحوار القصير : ماذا جنيت ووجدت من فائدة وأنت تتكلم عن البشر؟؟ أعطني فائدة
واحدة؟؟
ولم يكن هنالك جواب،،
فماذا سنجني من فوائد ونحن نرتكب معصية نهى عنها الإسلام..
سألتُ البعض : بما أنكم
تحبون تمضية جلساتكم في الكلام عن البشر، فلما لا تتكلمون عن الناجحين في الحياة
بمختلف أنواع نجاحاتهم؟؟ لما لا تتكلمون عن قصص نجاحهم وكفاحهم وكيف وصلوا لذلك؟؟
لما لا تذكرون الصالحين في مجالسكم بالخير وتذكرون قصص صلاحهم؟؟ لما لا تجعلون
مجالسكم مجالس منفعة وصلاح؟؟ وعالمنا فيه ملايين الناجحين والصالحين على مر العصور
فتكلموا عنهم وعن نجاحهم وصلاحهم..
ولكن تلك فكرة مستهجنة
لدى الكثير منهم،، فهي لا تحوي على مواد دسمة تمتع الجلسة معهم،، مواد من خبايا
الأمور! وربما قالوا كما قال لي بعضهم عن قصص الناجحين والصالحين :: تلك قصص تجلب
النوم والخمول!!
لننشغل بأنفسنا
وصلاحها،، ولندع البشر لخالقهم فهو أعلم بحالهم.. ولنتذكر ما جاء عن رسولنا الكريم
صلى الله عليه وسلم عندما نهى أصحابه عن نقلهم إليه ما يفعل فلان وفلان،، ليعلمهم
بأن قلوب البشر بسيطة وتؤثر فيها كلمات البشر،، فكيف إن كنا ننقل إليها بأن فلان
قال عنك كذا وكذا! وجميعنا مررنا بتلك اللحظة عندما يأتيك ذلك الشخص ليخبرك عن ما
يقوله الآخرون عنك – ولا يهم إن كان ذلك صحيحا أم مفتعلا- ولكن المهم أن القلوب
تتأثر بذلك.. والبشر ليسوا سواء فبعضهم يتجاهل كل شيء يقوله الآخرون ويرميه خلف
ظهره،، والآخر يظل يفكر ويفكر ويفكر..
هي حياة قصيرة، لنقضيها
في الخير والصلاح.. لنعمر الأرض بعمارة الخير.. لنكن أداوت صلاح وبركة في هذه
الحياة،، ولنجعل أوقاتنا أوقات عامرة بالنفع لكل بشري في الحياة، ولنستغل تلك
المواهب والطاقات الكامنة في داخل أرواحنا.. وعندها لن يكون لدينا وقت إلا للسعي
لتحقيق غاية وجودنا في هذه الحياة.. لنكون خلفاء الله في أرضه..
صباح الخير لكل قلب وروح
صباحكم سبت جميل
14-4-2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق