حقا
لا أعلم ما الذي يُدمي القلب أكثر، مناظر ضحايا الحروب في عالمنا المتقلب، أم
مناظر رحيل شباب عمان في عمر العطاء كل يوم .. ليت شعري لقد وصل الأمر موصلا
كبيرا! فلسطين الجريحة التي تفيض كل يوم بدماء أبنائها وشهدائها، أعداد قتلاها
والجرحى توازي كل عام أرقام عدد قتلى الحوادث والجرحى في السلطنة!! ونسأل الله أن
يفرج همهم قريبا ويحفظ شعبهم ويحرر أرضهم.. محزنُ ومؤلمٌ جدا عيشنا في بلد آمن
بفضل الله، ونقتل أنفسنا كل يوم بيدنا!
ربما أصبح العجيب في جدول أخبار يومنا أننا نسمع
يوما يمر بسلام بدون خبر مقتل أحد في حادث مفجع! هذا هو سجل أخبارنا اليومي كم
حادث حصل بالأمس، كم شابا رحل، وكم طفلا فارق الحياة، وكم أسرة بكل أفرادها رحلوا
معا مفارقين حياة بشر أكثرهم لا يعلمون كم هي غالية تلك الروح التي تسكن في
الأجساد..
حقا
هي أرقام مخيفة ، آلاف الجرحى ومئات القتلى، أطفال وشباب هم الأكثر عددا! هل
سنتكلم كم سيفقد الوطن كل عام من أرواح كان يؤمل فيها نهضة أرضه، هل سنتكلم عن حجم
الخسائر التي تتلقاها كل عائلة تصاب بذلك المصاب، أم سنذكر حجم الاموال التي تصرف
كل يوم لعلاج آثار تلك المصائب التي يفجع بها الوطن في أغلى ما يملك!! حياة أبنائه!
وهل هنالك كنز لوطن أعظم من حياة أبنائه؟؟!!
ليس
غريبا أن يعلن الوطن حربا على هذا القاتل الذي بدأ ينخر في جنبات كل الوطن، يدمر
ويهلك الحرث والنسل.
عام
2009 وصل عدد القتلى 953 ، وانخفض العدد في 2010 ليصل إلى 820 وفاة، ثم يعود هذا
الرقم إلى الارتفاع، فحسب موقع الإدارة العامة للمرور، فالزيادة هذا العام لنسبة
وصلت 14%!
وفي
حوار مع مدير عام المرور في نفس الموقع ذكر أن 70% من الحوادث التي تحصل فيها
الوفيات سببها السرعة العالية والتجاوز الخاطئ ، وذكر أن الاهتمام بالهاتف النقال
وكتابة الرسائل صارت خطرا يوازي السرعة العالية! وقد أوضح نقطة مهمة يجب الوقوف
أمامها من طرف كل قائد مركبة ألا وهي أن 96% من الحوادث سببها خطأ بشري !
وإحصائية
حوادث العام لغاية تاريخ 28-10-2011 هي 868 وفاة و9446 إصابة! وعامنا لم ينتهي بعد
!!!
وقفة
بسيطة متأملة في تلك الأرقام والإحصائيات تبين مكمن الخلل الذي يبدو واضحا لكل
عين، لا شك أن كل شيء يحصل هو بأمر الله وتقديره، لكن هل حقا أخذنا بأمر الله
عندما أمرنا باتخاذ الأسباب لكي نحافظ على أغلى ما يملكه كل بشري؟؟؟، لقد جاء أمر
الله قاطعا في كتابه الكريم بأن على الإنسان أن لا يُلقي بنفسه إلى التهلكة! في
تحذير شديد بأنه سلب لتلك الروح التي أودعها الله امانة لدى كل بشري، أليست تهلكة
وإزهاقا للنفس ولكل نفس بريئة جرفتها تلك الحوادث المفجعة عندما نعلم علم اليقين
أن 70% من الحوادث سببها السرعة العالية والتجاوز الخاطئ والانشغال عن الطريق!
وفهمنا الصحيح لموضوع تقدير الله لكل شيء يدفعنا إلى الأخذ بالأسباب وهي الالتزام
والحفاظ على الروح، لكن (( وَكَانَ
الإِنسَانُ عَجُولاً)).
نعم
فالتقارير الدولية تشير إلى أننا أفضل حالا من كثير من الدول ، فعربيا نأتي في
المرتبة 16 وعالميا في المرتبة 57 في حجم الوفيات لكل مائة ألف فرد، ونحمد الله
أننا لسنا في أول القائمة!، ربما هي أرقام تبشر بالخير، ولكن لما لا نكون في آخر
تلك القائمة ونصبح أقلها عددا ونحفظ أرواح أبناء الوطن.. فكل نفس تساوي الكثير..
لن
نلقي باللوم على طرف، فكل المجتمع شريك في حفظ أرواح أبنائه، وهنالك جانبين في هذه
المعادلة، الحكومة والمواطن، ويجب على المجتمع القيام بدوره في هذه الحرب الدائرة
في شوارع الوطن!
لعل
أكبر خطر يتهدد المجتمع بخصوص الحوادث هو جعلها حديثا يوميا متعودا، مسلما به!
وأنه أمر صار لا بد منه! وليس بيدنا فعل شيء للتقليل منها! رغم أفواج القتلى كل
يوم. ولن يدرك الجميع حجم ما يحصل إن لم يستشعروا عظم الفاجعة، أكثر من 9000 آلاف
مصاب والقتلى تجاوز عددهم ال 800 في عام واحد فقط!! والمطلوب ليس تهويلا في شيء أو
تخويفا لمجتمع، بل إحساس من الجميع أنه طرف في هذا، وأن عليه دور كبير في التقليل
منه.. وعلاج كل مشكلة يبدأ من الإحساس بها وبتأثيرها الواقع.. وهي خطوة لابد منها
لنجاح ما يأتي بعدها من خطوات..
أليس
عجيبا أن ترى شابا عمره ثمانية عشر عاما يقود سيارته بسرعة تصدم العين! وأين؟؟ بين
البيوت والازقة الضيقة!! أليس مؤلما رؤية الكثير يسرع متجاوزا كل قانون، وعذر كل
شخص منهم أنه يريد الوصول بسرعة! إذا لم يكن ذلك منظرا عجيبا ومستهجنا، فعدم
تعجبنا هو الغريب!
والسؤال
لكل فرد في المجتمع كبيرا كان أم صغيرا: أين هو دور كل أسرة؟؟ أين دور الآباء والأمهات
وكل ولي أمر؟؟ هل سننتظر لحظة قيام الفاجعة لنعي دورنا ونبدأ في إلقاء اللوم يمينا
وشمالا كعادة البعض هدانا الله وإياه، نرى المصيبة تمشي رويدا في يدنا ونتباكى
عليها عند حدوثها، أم نكتفي بالمشاهدة ونرفع أكتافنا ونقول لا حول ولا قوة إلا
بالله ونمضي وكأنه لم يحصل شيء، أم نحن من الذين يدركون دورهم ويسعون لخير
مجتمعهم؟؟
ما
يُدهش القلب في كل موقف رؤيتك مركبة تنطلق مسرعة، أو متمايلة أو كاسرة لكل قاعدة! وذلك
السيل العظيم من التنبيه صبحا ومساء في كل وسيلة إعلامية تحذر من هول ما يحصل
وتبين نتائجه بالدليل الذي يراه كل يوم كل مواطن! ثم تُفاجئ كل لحظة، في كل طريق
ضيق كان أم واسع، سريع أم في داخل الولاية، ترى كل مخالفة وكسر لكل قانون!!
لسنا
شعبا جاهلا أو متهورا رافضا لنعمة الحياة، بل شعبا يقدر كل التقدير نعمة الحياة
وحياة أبناؤه ،وفي مجتمعنا ولله الحمد كل الخير وفي شباب الوطن قلوبا تنطق بحس
المسؤولية.
وهنا
ما ينبغي فعله أولا، وهي مهمة كل راغب في تغيير هذا الواقع المؤلم ألا وهي غرس
الإحساس في نفوس كل فرد بأهمية وعظم هذا الأمر، الإحساس من داخل كل فرد وكل بيت
وكل ولي أمر بعظم المسؤولية الملقاة عليهم في الحفاظ على أرواح من يتولون
رعايتهم.. التوجيه والإرشاد ليس بتلك الصعوبة إن بدأ من داخل كل بيت.. لكنه في نفس
الوقت عمل كبير وشاق ويبدأ بجعل كل ولي أمر يستشعر حقيقة ما يحصل ، ثم يبدأ دوره
في التوعية الداخلية في الأسرة.
لنضع
في الحسبان هذا، عندما يدرك المجتمع حجم ما يواجه من مشكلة، سينتشر الوعي بأهمية
تدارك تلك المشكلة ، وسيأخذ كل فرد دوره في حلها. ودور كل فرد هو قيامه بما
يستطيع، توجيها ونصحا وإرشادا لكل من تصل إليه كلمته....
حفظ
الله عمان
حفظ
الله أبناء عمان
عبدالله الراشدي
31-10-2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق