سألني سؤالا هذا الصباح فقال : هل
لديك أيام معينة تتشاءم منها ؟
أجبته بالنفي، وسألته لماذا هذا السؤال
فقال لي : إنه تعود على التشاؤم من يوم معين في الأسبوع منذ صغره إلى الآن!
ودوما يتوقع حدوث شيء سيء في هذا اليوم، وقد صار له حادث بسيط في ذلك اليوم!
وأخذنا في الحديث حول هذا الموضوع ، وقد أوضحت له بأنني لا أتشاؤم أبدا من
أي يوم أو ساعة أو دقيقة لسبب بسيط وعظيم في
نفس الوقت ، فالأوقات هي الأوقات منذ أن خلقها الله تعالى لم تتغير فلما أتشاؤم
بسبب مخلوق خلقه الله لسبب معين لا حول له ولا قوة في طريقة حياتي وسيرها! والأمر
الآخر أنني موقن أن كل أمر يحصل لي من خير وشر إنما هو لحكمة عظيمة كتبها الله،
وما علي سوى السير في حياتي والأخذ بالأسباب في كل أمر ، وإن حصل أمر يخالف ما
أريد فتلك مشيئة الله الماضية التي لا تستطيع دفعها الأوقات ولا نفسي البسيطة..
وذلك كله يدور في فلك الإيمان بالقضاء والقدر الذي يجب على كل مسلم أن يعتقد يقينا
ويؤمن إيمانا جازما أن كل الأمور إنما هي بأمر الله وحده، فإن أصابني خير فذلك فضل
من الله وحده وتوفيق منه جلت قدرته ، وإن أصابني شر فذلك أمر قد كتبه الله تعالى
علي وما علي سوى الرضى والتسليم والمضي بعدها في حياتي..
وإنما هي وقفة بسيطة في مفهوم بسيط قد يقع فيه البعض ، فمما لا شك أن الله
تعالى قد كتب علينا كل شيء يحصل في حياتنا وذلك شيء لا يداخله شك ولا ريب فالله
تعالى خالق كل شيء ، ولكنه تعالى رحيم بعباده كريم على خلقه فأعطاهم ومن عليهم
بفضله وكرمه قدرة الاختيار في المواقف التي تكون في مقدرة البشر وأعطى كل بشري
إرادة في داخله يستعملها في كل أمر من أمور الحياة. ولذلك فإن مفهوم الرضى
والتسليم المطلق بالقضاء والقدر إنما يكون معه الأخذ بالأسباب في كل أمور الحياة..
ومن أبسط الأمثلة على ذلك ، من يريد السفر لبلد معين ، فبديهي أنه سيأخذ
بالأسباب ومنها حجز تذكرة السفر ومعرفة موعد المغادرة والعودة وتجهيز ما يحتاجه في
السفر والحضور قبل وقت كاف قبل إقلاع الطائرة وغيرها من الأمور المتعلقة بالسفر وهذا
هو معنى الأخذ بالأسباب ، وإن حصل أمر وتأجلت الرحلة لأيام أخرى لأي سبب كان فسيضع
في قلبه وروحه تسليما بأن ذلك تقدير من الله لحكمة أرادها جلت قدرته، وإن غادرت في
موعدها فذلك توفيق من الله وذلك هو الجمع بين الأخذ بالسبب والتسليم لأمر الله..
والمثل المعاكس هو من يضع نية في قلبه للسفر ثم يأتي في آخر يوم ليبحث عن
طائرة ويجهز عدة السفر ويحضر آخر البشر وتغادر الطائرة بدونه!! ثم يقول بعدها إنه قضاء
وقدر!! فهل أخذت بالأسباب ثم تكلمت في ذلك الأمر!!
وهكذا أخذنا الحديث طويلا ، ومما استوقفني في الحديث معه أنه كان موقنا بأن
ذلك اليوم هو يوم مشؤوم في حياته ، ولذلك فقد حصلت أمور سلبية أخرى بعد أن بدأ
يومه بتصور سلبي ، صنعه بعقله ونفسه وتراكم مع مرور الأيام إلى أن أصبح إيمانا في
داخله ! وقد فرغ شحنات غضبه بعد ذلك الحادث البسيط على من حوله واتهمهم بأنهم سبب
في ذلك أيضا!!
وهكذا تتجمع عدة أمور ، فلو أحسن صاحبنا تقبل الأمر ، وظن في قلبه بأن ما
حصل تقدير من الله وخير ، وفي المرة المقبلة سيكون أكثر انتباها ثم يبادر من حوله
بأنه بخير وجزاهم الله خيرا على خوفهم عليه ، ثم ينطلق مواصلا يومه متعلما درسا
طيبا ومتفائلا بيوم أجمل مما بدأ لكان كل شيء صار أفضل .. وكنت سأراه مبتسما ضاحكا
عندما قابلته وليس عابسا متجهم الوجه كما رأيته
وكل أمر يتبعه آخر ، فسلبية تبدأ في اليوم ، وتوقع لكل سيء ، وسوء أمر في
تقبل الموقف ، ونتائجها هو يوم بالفعل سيء لأنه جعله كذلك ومشاعر سلبية تنتشر في
محيطه الذي يتعامل فيه..
لعلنا نحتاج إلى ثقافة في تقبل المواقف وتحويلها من مواقف قد تحمل شيء
سلبيا كما نتصوره أول لحظة ، إلى مواقف تحمل إيجابية بحسن تعاملنا.. فالأمور ليست
كما تظهر دائما ، وفي داخل كل موقف درس وحكمة
وحديث رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم الذي يبين للناس إن الصبر إنما
يكون عند الصدمة الأولى في كل مصيبة تحصل سواء كانت كبيرة أم صغيرة ، إنما هو درس
كبير يحمل توجيها لكل مسلم أن يتريث قليلا عند حصول كل مصيبة ، ويرفع قلبه وروحه
نحو خالقها وبارئها جلت قدرته يسأله الرحمة ويشكره على كل أمر ويسأله الصبر
والثبات.. ثم يتعامل مع كل موقف من منطلق أن كل أمر حاصل ويحصل وسيحصل إنما هو
مقدر وما علينا سوى الرضى والتوكل والأخذ بالأسباب..
وهنا يظهر الفرق بين تلك الروح الهادئة التي تتعامل بحسن ظن في كل موقف ،
وبين روح تظهر كل عواطفها السلبية عند كل موقف عصيب
ولكن قبل النهاية لابد من الإشارة إلى أننا بشر نتفاعل مع كل موقف فرحا
وحزنا ، ضحكا وبكاء ، خوفا وشجاعة.. والمشاعر أمر نعيش معها كبشر،، ولذلك فظهورها
أمر عادي في أي موقف ، وربما العجيب هو أن
لا يتفاعل البشر بمشاعرهم مع المواقف !.. ولكن الذي لا ينبغي للبشر أن يقعوا فيه
هو السلبية في التفاعل مع تلك المشاعر،، فنحن نبكي ونحزن عند فقد كل حبيب وعزيز
ولكننا حتما لن ننوح ونرفع الأصوات عليهم .
جعلنا الله جميعا ممن يحسنون التعامل مع كل موقف ، ويحسنون الظن بالله ،
ويؤمنون يقينا بما قدره لنا ..
مساء يفيض بالرحمة
مساء الخير
2-10-2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق