قابلت صاحبي وكان منفعلا، وقال لي : هل رأيت ماذا فعل
أعداء الإسلام؟ لقد صنعوا فيلما يسيء لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأجبته :
لا، لم أهتم كثيرا بما فعلوا! وواصل حديثه المنفعل الغاضب من أعداء الإسلام الذين
يريدون تشويه صورة أشرف البشرية وخير من حملت الأرض ، ولم ينتبه في حديثه المنفعل
أنني لم أكن منصتا لما يقول ، بل كنت
متعجبا في داخلي من هذه العاطفة الثائرة التي جعلت منه يهتم بأمر كهذا ولم أسمعه
يوما يٌلقي بالا لشيء كهذا!
ثم قابلت صديقا آخر فسألني : أين يمكن الحصول على ذلك
الفيلم؟ فاندهشت منه وسألته : ولماذا تريد الحصول عليه ؟
فأجاب بأن الفضول يدفعه ليرى ماذا صنعوا في هذا الفيلم..
فأجبته : أنني لن أبحث عنه ولن أشاهده أو أهتم به.
لم أكن مدركا لما يحصل في عالمنا المسلم ، إلا عندما
تصفحت مواقع التواصل الاجتماعي ورأيت تلك العواطف الثائرة والكلمات الغاضبة، ثم
شاهدت أفعالا وأحداثا في طول وعرض عالمنا المسلم ، قتل سفير! قتل مسلمين! تخريب
ممتلكات! هجوم هنا وهناك!! ولوائح تنادي قائلة : نحن فداك يا رسول الله!
ثم تساءلت : ماذا حقا حصل؟؟ ماذا حصل!
ثم عدت في رحلة طويلة إلى زمن عاش فيه ذلك السيد الكريم
الطاهر، ذلك الإنسان العفيف ذو القلب الرحيم والأخلاق الكريمة، ذلك الإنسان الذي
قال عنه رب العزة والجلال : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )
عدت بذاكرة الزمن مقلبا ومتفكرا في سيرة حبيبنا محمد صلى
الله عليه وسلم الذي غير من وجه الدنيا، إلى حياته إلى رسالته إلى دعوته إلى جهاده
إلى أخلاقه، إلى تعامله، إلى أصحابه، إلى كل شيء فعله خير البشر..
وجاءت آية كريمة لتقول لنا : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ولتربط تلك الأسوة بقوله تعالى في آية أخرى
: ( كنتم خير
أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) ولتبين منهج ذلك النبي العظيم بقوله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) ويتبعها توجيه رباني إلى كل مسلم في طريقة تعامل
رسولنا وقدوتنا وأسوتنا عند الدعوة والاختلاف لمن هو على غير ملة الإسلام أو من
المسلمين : (
وجادلهم بالتي هي أحسن )
ثم عدت إلى حياته عليه صلوات ربي وسلامه ، إلى دعوته
للمشركين عندما كان في مكة ، كيف صبر عليهم وكيف جاهد وجاهد وجاهد ، كيف تحمل
الأذى هو وأصحابه، وكيف فاض قلبه رحمة وعطفا ورحمة على أهل الطائف بعد أن أسالوا
دمه الشريف بأن رموه بالحجارة.. فأسند ظهره الشريف ورفع رأسه مناجيا ربه : إن لم
يكن بك علي غضب فلا أبالي!! أيها النبي العظيم وهل تملك الأقلام والألسن قول شيء
بعد هذا!
وعندما طال عليه أذى قومه ومن حولهم لم يقل سوى : لعل
الله يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله!
وعندما عاد إلى مكة فاتحا منتصرا وسأل من كان بالأمس
طردوه وحاربوه وقتلوا أصحابه وأحبابه " يا معْشَرَ قريش، ما ترون أنّي فاعل بكم؟ " قالوا: خيرا. أخٌ
كريم وابن أخ كريم. قال صلى الله عليه وسلم: " فإنّي أقول لكم كما قال يوسف
لإخوته: ( لا تثريب عليكم اليوم ) اذهبوا فأنتم الطلقاء ".
رحمة ، وصبر ، وعفو ، وحلم ، طبقها بفعله في كل موقف
عليه صلوات ربي وسلامه .
وعدت إلى زمن أعيش فيه ، وسألني صاحبي : ألست مهتما بما
فعلوه؟! فقلت : نعم ولا !!
نعم أهتم فأنا مسلم وأغار على ديني وعلى حبيبي وسيدي
رسول الله، وكل أذى يصيب رسول الله صلى الله وسلم إنما يصيبني أنا ويصيب الإسلام
وأهله..
ولا! لست مهتما بانفعالات لا فائدة منها ، فكيف تطلب مني
أن أنفعل ونحن لم ننصر رسولنا صلى الله عليه وسلم في وطننا قبل أن ننصره خارج
الوطن! وإنما أنا خجل من نفسي من تقصيري نحو حبيبي رسول الله
يا صاحبي لقد جاء رسولنا الكريم بدين عظيم أمرنا فيه
بالكثير، ولكن ها هي المساجد خاوية وها هو الفقر منتشر في بلاد الإسلام ، وها هي
دماء المسلمين تسيل في شرق وغرب وصارت أرخص من دماء الحيوان، أهكذا ننصر رسولنا!! وفلسطين
تعاني من زمن طويل، ورسولنا أمرنا بنصرة إخواننا فهل نصرناهم؟
يا صاحبي إن رسولنا الكريم عليه صلوات ربي وسلامه ، قد
حارب أهل الشرك وأعداء الإسلام منذ بداية الدعوة وقد بين الله تعالى أنها حرب
ستتواصل إلى قيام الساعة ، فهل أعجب أنهم
يحاربون رسول الله!؟ أم أعجب أننا نسينا أن أعداء الإسلام يحاربوننا منذ زمن طويل
ونحن في نوم طويل !
يا صاحبي كيف ننصر رسولنا والكثير من أهل الإسلام لا
يعرف عن رسوله شيئا إلا القليل ، فكيف ننصر إنسانا لا نعرفه! أليس عجيبا أن أبناء
الأمة يعرفون تاريخ بشر يجرون وراء كرة ويبذلون الكثير من أجل رؤيتهم ومتابعتهم
ومعرفة أخبارهم وعمل مواقع ومنتديات لهم، لكنهم لا يعرفون ماذا صنع الرسول صلى
الله عليه وسلم وصحبه في غزوة الخندق!
يا صاحبي ألا تندهش من وجود مئات القنوات في بلاد
الإسلام تصدح بالأغاني والرقص والأفلام والمسلسلات وتقام لها المهرجانات الكبيرة
ويتابعها ملايين المسلمين ويقضون فيها أوقاتهم متابعين ، بين راقصة وممثلة ومغنية
وتسيل دموع الكثير لكل كلمة وآهة ، ولم نشاهد سوى القليل من القنوات التي تنشر
سيرة الرسول العظيم وحياته!! فكيف سيعرف غير المسلمون شيئا عن رسولنا الكريم ونحن
مشغولون بين مغنية ولاعب وممثل وراقصة!
يا صاحبي كيف ننصر رسولنا بالتخريب والقتل ، ورسولنا
الرحيم أمر جيوش الإسلام في حالة الحرب أن لا تقتل مسالم ولا طفلا ولا امرأة ولا
يهدموا البيوت ولا يخربوا الزرع ولا يدمروا الأوطان، هذا وهم في حالة حرب فكيف
بأناس يعيشون بيننا! أهكذا ننصر رسول الله!
يا صاحبي العزيز كم أعجب عندما أجلس معلما صغار الجيران
في الصيف وأتبين أنهم لا يعرفون شيئا عن سيرة رسولهم صلى الله عليه وسلم ولا
صحابته ثم يخبرونني عن الرياضة واللاعبين بكل ثقة وكيف يسهرون من أجل متابعتها!
أهكذا ننصر رسولنا الكريم؟
لا عجب أننا صرنا أمة لا يحسب لها حساب! فلسنا نعلم من ديننا
سوى طقوس نؤديها صبحا ومساء، وننادي بعدها بصوت قوي! نحن مسلمون..
لقد قال الله تعالى وقال رسوله الكريم إنما عزتنا
ونصرتنا بإتباع تعاليم الشريعة وما جاء فيها وذلك هو نصرنا للإسلام..
نعم يا صاحبي في قلبي الكثير ولكن متفائل خيرا بما حصل
ويحصل للإسلام، فلعل المسلمين يعودوا للقراءة والتعلم عن دينهم ورسولهم، نعم
متفائل خيرا فكل ضربة للإسلام إنما تزيده قوة وتعيد أبنائه إليه.. ولكنه بحاجة لي
ولك ولكل مسلم، فنصرة الرسول تكون بنشر تعاليم الإسلام قولا وفعلا..
عندما تبتسم كل صباح راضيا بما أعطاك الله ومنطلقا بثقة
في الحياة أن الله معك فذلك هو الإسلام ، عندما تحسن إلى أمك وأبيك وتكون لهما
خيرا ورحمة ، عندما تسعى لتعليم الصغار ومساعدة الكبار، عندما تحمل قلبا يفيض
بالرحمة ويبتعد عن الحسد والحقد والكره، عندما تؤدي كل صلاة في وقتها كما فرضت ،
عندما تراقب الله في سرك وجهرك. عندما
تعلم يقينا أن الإسلام إنما هو كل حركة وسكون في الحياة فأنت حقا نصرت رسولك صلى
الله عليه وسلم..
نعم نحن فداك يا رسول الله فعلا وقولا، نعم نحن نحبك يا
رسول الله أكثر من أنفسنا وأهلنا ولكن تطبيقا وليس كلمات فقط، نعم يا رسول نحن
سنواصل طريقك وسيواصل فيه كل مسلم غيور إلى قيام الدين فتلك هي صادق المحبة لك..
ومعذرة يا حبيبي يا رسول الله فكم قصرنا في نصرتك عندما
تركنا الإسلام جانبا وتكالبنا على الحياة، عندما انغرس الضعف في قلوبنا وانهزمت
أرواحنا.. عندما قطعنا صلتنا بخالقنا وتعلقنا بالأماني والأحلام..
ويا صاحبي العزيز لنكن أنا وأنت وكل فرد منا مسلم كما
أرادنا الإسلام، وثق بعدها بأن كل أمة عزيزة قوية لن يجرؤ عدوها على أذيتها..
وقفة البداية :
الإساءة لنبي الرحمة والسلام لن تتوقف إلى قيام الساعة ،
وفي العالم ملايين البشر في انتظار معرفة سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم .
وكل مسلم مطالب أن ينصر الإسلام على حسب طاقته ، بكلمة أو قول أو فعل، ولكن بتخطيط
وعلم ودراسة، لنكون جاهزين عندما تحصل الإساءة القادمة وما يتبعها بأفعالنا
الكريمة وديننا العظيم ورسالتنا التي تحمل الخير والرحمة والحرية لكل روح في الأرض ..
وتذكر بأنك مسؤول أمام الله عن إسلامك ودينك وماذا فعلت به نحو العالم والبشرية
.
عليك سلام ربي وصلاته يا رسول الله
صباح الخير
18 ذو القعدة 1433 ه
5-10-2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق