السبت، 17 نوفمبر 2012

ليسوا حمقى ؟؟!


كنا نستمع إلى حديثه الذي يتصف بحماسة كبيرة ، ثم قال : والكثير من البشر حمقى وأغبياء فلا تشغلوا أنفسكم بهم ! توقف الحديث بعد ذلك وساد صمت ما قبل العاصفة ، وصعدت أصوات متباينة بين مؤيد ومخالف.
لقد ظن واهما بأن من يرفض فكرة نحملها سواء كانت إسلامية المنبع أو فكرية أو اجتماعية أو تجارية أو غيرها من جوانب الحياة التي نعيشها كل يوم فهو داخل في ذلك الصنف..
ولكن ألن نكون بهذا جميعا حمقى ومغفلون؟ جميعنا نرفض أفكارا كثيرة كل يوم يؤمن بها غيرنا إيمانا تاما ، فهل نحن حمقى لأننا رفضنا أفكارا خالفت عادات وتقاليد وتشريعات وحياة لم تلق قبولا داخل عقولنا البسيطة..

وذلك ذكرني بما أراه وأشاهده في مواقع التواصل الاجتماعي ، فالبشر مخلوقات تحب الحديث عن مشاعرها وما يجول في داخل نفوسها ، ومن الواضح أن ما يكتبه أي فرد لا يدخل في عقل كثيرين ، ولكن هل ذلك سبب لكي نكرههم ونقلل من شأنهم بل ونفعل كما يفعل البعض بأن يظل ضائق الصدر مما كتبوا ويبدأ في حرب كلامهم وما كتبوا!! وهي مجرد كلمات لا تضر أحدا إلا من تصورها كذلك!

لدى البعض تصور خاطئ لمفهوم النجاح في الحياة ، يحصره في إطار ضيق يحدده هو مسبقا ، ويعتقد أن النجاح مرتبط بشهرة مدوية أو بمال كثير أو منصب كبير أو غيرها مما يتصوره مقياسا للنجاح ، نعم ذلك مقياسه هو للنجاح لأنه حدد مقصده بذلك ، لكن النجاح في الحياة يشمل كل جانب من جوانبها ، فالأم الكريمة التي تربي أجيالا صالحة تعود بالنفع على مجتمعها وأمتها هي امرأة حققت نجاحا عظيما ، والأب الذي يفني حياته لتعليم أبنائه تعليم جيدا ويُنشئهم تنشئة صالحة هو أب عظيم ، والذي يسعى للبحث عن الفقير لينقل إليه شيئا ولو بسيطا يعينه في الحياة هو نجاح عظيم ، وهكذا هو النجاح في الحياة منفعة نقدمها لأنفسنا أولا ثم لمحيطنا الذي نعيش فيه ، وطبيعي أن قدرات البشر تختلف ولذلك ستختلف درجات ما يقدمونه للحياة ، لكن جميعه يصب في نهر النجاح.
ما نراه مقدسا كمسلمين يراه غيرنا شيئا أكثر من عادي ، وهكذا نحن نرى غيرنا وما يفعلونه ، وليس ذلك هو بيت القصيد، لكن علمنا بإن من فطرة البشر هو الاختلاف حتى داخل المجتمع نفسه يقودنا إلى فهم أكبر لمن نتعامل معهم ..

ليس علينا الانجراف وراء الآخرين لكي نثبت لهم أننا نحترم رأيهم ونقدرهم ، بل ثباتنا على ما نؤمن به مع احترامنا للطرف الآخر ورأيه هو السبيل القويم لتقريب الأفهام والأفكار حتى وإن لم يقتنع كل طرف بما لدى الآخر ، مع تأكيد أن تلك الأفكار يجب أن لا تكون ضارة بالبشر في عقولهم وحياتهم وأجسادهم وإلا فإنه لا ينطبق عليها ما ينطبق على الأفكار التي من الممكن الاختلاف فيها بل يجب دفعها ولكن بالحسنى أو بما يناسب المقام كمثل من يدعو في مجتمعنا إلى أفعال تنافي الأخلاق بحجة أنه من حرية في الكلمة ..

توجد ثوابت في المجتمع الواحد والدين الواحد لا يمكن الخلاف عليها ، وفي ديننا العظيم فإن لدينا أصول في الدين هي ثوابت الدين التي لا خلاف عليها ، وفي كل مجتمع توجد مجموعة من الأعراف التي تعارف عليها البشر في ذلك المكان ، ومن الواضح أن ذلك الشخص الغريب على ديننا الإسلامي مثلا أو مجتمعنا العماني لا يمكن وصفه بتلك الأوصاف من الحمق وغيرها لأنه جاهل بما لدينا ، وتلك صفة نشترك فيها كلنا نحن البشر فنحن نجهل الكثير وكل فرد إنما يحيط  علما ومعرفة بجانب واحد من جوانب الحياة هو متعمق فيه متمكن وقد يحيط بجوانب أخرى ، لكن القاعدة ستبقى أننا جميعا نجهل أمور كثيرة لم نسمع عنها شيئا أو نعرف عنها القليل، وذلك فرق كبير بين إنسان يجهل شيئا وبين وصفنا له بالحمق، فهل سنقول عن أنفسنا حمقى لأننا لم نسع لتوضيح ما لدينا لمن يجهله ؟

عندما أسعى جاهدا لعرض فكرة أو تسويق منتج ويقابلني الآخرون بالرفض لما أعرضه وقد أسمع كلمات محطبة من الآخر ، فهل الطريق الصحيح هو حربهم أم البحث عن بديل جديد لكي أعرض عليه ما لدي؟ إن العاقل هو من يبحث سريعا عن البديل لقناعته أن أذواق البشر تختلف وأنه بنفسه قد رفض أفكارا ومنتجات قد عرضها عليه آخرون وربما انتقدها أو قلل من قيمتها.. نعم ننسى أننا كنا بنفس المكان ونحن سريعا ننسى ما فعلنا وصنعنا.

البشر ليسوا حمقى ومغفلون ، لكنهم بشر وهم بحاجة لمن يفهم مشاعرهم وعواطفهم ورغباتهم وطريقة تفكيرهم ، ونحن من سيكون الأحمق عندما نصف البشر بذلك لأنهم ببساطة لم يقتنعوا بما لدينا ، ولذلك كان رسولنا صلى الله عليه وسلم هو أفضل معلم في معاملة البشر.
ورحم الله من أحسن الظن بالبشر وأحسن معاملتهم وكان خبيرا بالقلوب والأرواح قبل أن يكون خبيرا بكلمات رنانة يصدح بها في كل محفل.

وكسب القلوب وثقتها يبدأ أولا من فهمنا لطبيعة عقولنا ونفوسنا وطريقة تفكيرها وبعدها سنعلم كيف نتعامل مع كل روح بشرية نقابلها، وربما الأحمق من جهل نفسه ولم يتعب قليلا في فهم عقله وتصرفاته الخاصة ، وقام ينتقد الآخرين ويصفهم بتلك الصفة وجعل نفسه حكما على تصرفاتهم ورغباتهم .

صباح الخير
صباح عام جديد
صباح حياة جديدة
3 محرم 1434 ه
17 -11- 2012 م


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق