السبت، 12 يناير 2013

الدعاء والعقل الباطن


الدعاء والعقل الباطن 

قال الله تعالى في كتابه الكريم أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ ” …النمل أية 62،  وفي آية كريمة أخرى )وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة:186..  

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ". ، وهي دلائل قاطعة بأن الله تعالى مستجيب لمن دعاه وتضرع له بل سيفتح له أكثر مما سأل وطلب..

 ولكننا نسمع أحيانا من بعضهم : لقد دعوت كثيرا ولكن لم يحصل شيء ؟ لماذا لم يستجيب الله لي ؟ بعد كل صلاة أدعو وأدعو ولم يتغير شيء ؟ حالتي لم تتغير ؟ وغيرها الكثير من التساؤلات التي نسمعها ممن نقابلهم وقد خالط اليأس والإحباط قلبهم..

قالوا في علوم العقل وما يتبعها أنك  لتحقق شيئا تتمناه بشدة عليك أولا أن تؤمن به يقينا قاطعا لا يقبل الشك بأنه سيحصل في حياتك ، بل عليك فوق ذلك أن تتخيله حقيقة أمامك كنتيجة حتمية لما تريد ، وقد لا يحصل ما تتمناه ولكنك ستحصل حتما على شيء طيب نتيجة ذلك اليقين القوي قد يكون أفضل مما أردته أو على الأقل شيئا ترضى به نفسك وأقلها قناعة داخل القلب أنك فعلت الذي تستطيع..

وهكذا يعلمونا أن نردد كل يوم بقوة ويقين داخلي لا يقبل الشك مطلقا بأننا سنحصل على مرادنا ، وأنني بخير وبصحة وعافية ممتازة ، وأنني أثق بنفسي ، وأنني أستطيع وقادر ، وأن علي أن لا ألتفت إلى إحباط الآخرين وكلماتهم ، وهكذا تتوالى تلك الإيحاءات اليقينية والتي تغرس يقينا جازما داخل العقل الباطن بأنك حقا كذلك.. وتلك هي القناعات القوية التي لا يداخلها شك والتي تجعل الإنسان شخصا آخر لم يكن يظن أنه موجود بداخله.

ولعل العجيب فينا كمسلمين أننا نؤمن بها قطعا ونفعلها ونطبقها بلا ذرة شك في نجاحها ، حتى ولو لم يحصل شيء في القريب العاجل أو لم يحصل شيء فسنرده إلى قناعاتنا السلبية ورسائلنا التي حشونا بها عقولنا فتأخر المراد وهكذا سنبدأ مرة أخرى ونبدأ في البحث عن حلول وطرق جديدة ونحن موقنون أن الخطأ منا نحن وليس لأي قوة أخرى دخل في إخفاقنا .. – وذلك ليس تقليلا من شأن تلك العلوم ، فقد انتفعت بنفسي بها كثيرا وأطالعها وأبحث عن الجديد فيها وأشجع على البحث فيها، وفيها من الخير الكثير إن جعلناها في الإطار الإسلامي ولم نجعلها للمتعة والقراءة العابرة فقط-

ولو عدنا قليلا إلى الحديث الشريف فسنجده قال نفس العبارة قبل قرون طويلة، لقد قال بأن علينا أن نوقن أولا إيقانا مطلقا في الإجابة ، وهذا هو الربط بين اليقين وتحقيق المراد ، فكيف ندعو الله صبحا ومساء بأن يعطينا خيري الدنيا والآخرة ونحن لا نستشعر قوة تلك الكلمات وحقيقتها داخل عقولنا وقلوبنا ، وببساطة هي لم تصل أبدا كيقين مطلق جازم لداخل عقلنا الباطن فلم يصدقها العقل ولا القلب!

إن أصل العقيدة الإسلامية الأول والذي يغير كل نفس تعتقد اعتقادا جازما ، هو أن الله تعالت أسمائه وصفاته هو الوحيد المستحق للتنزيه المطلق والإتباع بلا شك والتسليم المطلق الكامل له وهو خالق الكون العظيم والعارف الوحيد بما يصلح كل نفس وما يضرها ، ولا يظلم أي نفس مهما فعلت ، بل كريم رحيم بكل مخلوق.
وعندما يعتقد المسلم أن الله لن يظلمه شيئا ابدا بل سيقدر له الخير دائما مهما ظهر للعين أن في بعض الأمور بعض المضرة ، لكن يقينه في الله يجعله يعتقد الخير في كل أمر يحصل ، وهذا بدوره يقوده لاتخاذ الأسباب والسنن الكونية التي جعلها الله ناموسا في كونه العظيم ، ومن بين تلك الأسباب هو الدعاء المستمر ومعه اليقين بالإجابة والتسليم المطلق للإرادة الإلهية في تقدير الإجابة في الوقت والزمن والمكان المناسب ، فالله وحده يعلم ما هو الخير لنا .

وجميل إن كنا نطبق العلوم البشرية في حياتنا ونرى فيها نتائج بسبب إيماننا بها ، أن نطبقها أيضا في ما قاله القرآن العظيم والسنة الصحيحة . فلا جدال أن القرآن رحمة وشفاء لكل قلب ، وفيه الإجابة التي تنشدها القلوب ، ولكن الذي ينقص القلب هو ذلك الإيمان المطلق والذي طبقناه في علومنا البشرية.
عندما أردد كل يوم (( اللهم إنا نسالك العفو والعافية في الدنيا والآخرة )) ونردد (( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة وقنا عذاب النار )) ونكررها بعد كل صلاة وفي كل دعاء لهي رسالة إيجابية عظيمة جدا إن تأملها وتدبرها العقل حقا ، فهي دعاء خالص بكل خير وسلام للنفس في كل أمر في الدنيا والآخرة ، وهي في نفس الوقت اطمئنان وتسليم بأن الله وحده الذي سيقدر الخير للنفس ، وهي سكينة وراحة للقلب فقد وكل أمره لله ، وما عليه سوى الانطلاق في الحياة مجاهدا باحثا ساعيا بلا خوف من أي شيء فلديه اعتقاد جازم بان عين الله تحرسه وترعاه وتقدر له الخير.

وهكذا كل دعاء وصلاة ورجاء ، وقبلها آيات القرآن العظيم ، هي أعظم الرسائل الإيجابية التي نقدمها لعقولنا إن تدبرنا فيها قليلا وتأملنا فيها في خلوة بسيطة كل يوم ، فعقلنا الباطن إنما هو أداة سخرها الله لنا لينفذ كل مشاعرنا وأفكارنا التي نريدها بدون جدال منه ، وهذه الأداة هي التي تحرك كل نفس نحو كل شيء في الحياة ، وإن تخيرنا وضع الطيب من المشاعر والأفكار فيه فسيكون خيرا لنا في الدنيا والآخرة .

وعندما نردد الآية الكريمة : )إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) سورة يونس الاّيه44ندرك أن كل خطأ إنما ناتج عن سوء ظننا في كل أمر يحصل لنا ، وسوء استخدامنا لهذا العقل الرائع الذي جعله الله خيرا ورحمة لنا .

ما أجمل حسن الظن بالله ، وما أطيب القلب الموقن يقينا برحمة الله تحفه في كل وقت ، وما أحلى الروح المطمئنة التي تدعو وتنتظر الإجابة بدون استعجال ولا تذمر لعلمها أن الله يقدر الخير في الوقت المناسب .
اللهم نسألك الخير كله .

صباح الخير
29 صفر 1434ه
12 يناير 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق