استغلال حاجات البشر!
أسمع كثيرا أحاديث تذم أخوتنا الوافدين من دول شرق آسيا
، تذم عدم وفائهم وعدم إخلاصهم في العمل ، وحبهم للتمرد بعد فترة من بداية عملهم ،
وهكذا تتوالى الأحاديث في ذم أولئك المساكين.. أظن أحيانا بأننا ملائكة لا نرتكب
خطأ بعد كل حديث أسمعه !!!
لا أدري أين الخطأ تحديدا في تلك الأحاديث المتكررة كل
يوم ، ولكن غير المعقول قطعا أن يكون كل من يأتي للعمل في وطننا هم على هذه
الصفات، ذلك أمر من المستحيل حدوثه .. ( أتساءل أحيانا لو قمنا بعكس المعادلة
وقاموا هم بوصفنا لأبناء بلدهم فماذا سيقولون عنا ؟؟ ماذا سيحملون معهم من ذكرى ؟
وهل سيذموننا صبحا ومساء أم سيثنون علينا ؟ )
إن قاعدة اختلاف البشر في سلوكهم وتعاملهم بناء على كل
بيئة قدموا منها هي أمر قائم ونراه حتى في كل بيت ، ومن الخطأ وضع تصور واحد لكل
البشر، ولا ينكر أحد إن في تلك العمالة الضخمة الموجودة في الوطن ليست جميعها
مخلصة ومتفانية للعمل بل ولم تأتي جميعها لتعمل عملا شريفا ، ولكن من الظلم الفادح
أن نعمم تلك القاعدة على جميعهم ، ففيهم الكثير الذين قدموا لحاجتهم الشديدة للعمل
ولإعالة أسرهم ولا يفكرون إلا في عملهم ولذلك تراهم متفانون في أعمالهم..
قبل فترة بسيطة جلست مع أحد الأخوة من تلك الدول ، فتكلم
عن معاناته مع صاحب عمله ، وكيف يكلفه من الأعمال فوق طاقته ولا يعطيه من الأجر ما
يوازي مقدار جهده ولولا ارتباطه معه بعقد لرحل عائدا إلى بلده منذ فترة طويلة. لم
يكلمني عن شيء أجهله فقد كنت بنفسي أرى مقدار الجهد الذي يبذله في العمل ، وكم
رأيت آثار التعب على وجهه بعد نهاية عمل يوم شاق متعب.. وربما العجيب في الأمر أن
صاحب العمل يشتكي من عدم إخلاص من يعملون معه!! لم يكن ذلك العامل المسكين يبحث عن
حلا لمشكلته ولكنه أراد تفريغ بعضا من مشاعره ، وليتنا نتذكر بأنهم ليسوا آلات
تعمل بدون تألم أو إحساس ، هم بشر لديهم مشاعر مثلنا وطاقات محدودة لا تستطيع فعل
كل شيء نتصوره . وإن كنا نريد منهم الإخلاص والتفاني فلنقدر قيمة عملهم ولنكن
مخلصين أمام الله في إعطاء حقوق عملهم كاملة.. لعلنا تعودنا أن نطلب من الآخرين
الإخلاص تجاهنا في كل شيء لكننا لم نفكر أنهم ينتظرون منا نفس الأمر.
ذلك أمر حصل بين شخص من أبناء الوطن ووافد مسكين جاء
ليعمل ، ولكن الموقف الثاني هو موقف بين وافدين كلاهما من نفس الدولة ، ولكن
الغريب أن مدير العمل يكره ابن وطنه كثيرا. كلمني ذلك المسكين عن معاناته مع مدير عمله
وكيف جعله قريبا من الجنون بسبب تناقض أوامره التي يأمره بها ، كان خائفا من مديره
فلم يقل شيئا يغضبه وتقبل كل أمر وكل ذلك بسبب حاجته الشديدة للعمل وتفكيره الدائم
في أسرته في وطنه والتي تنتظر منه كل خير. هي مشاعر ونفوس تتحرك داخل تلك القلوب
والأرواح ولم يبحث أيً منهما عن حل ولكن فاضت قلوبهم بما تعانيه من غربة وظلم في
العمل .
لقد تشابه
المواطن والوافد في معاملة من يعملون معهم ، وإن كان من أمر ذو وضوح في القصتين
فهي تشابه نفوس البشر مهما اختلفت أوطانهم وبيئتهم ودينهم ، تتشابه في كونها ترى
أن لها الحق في الأمر والنهي وأن على البقية السمع والطاعة ، تتشابه في أنها لا
ترى مشاعر من تتعامل معهم ، تتشابه في أنها تلقي أحكامها على الآخر ولم تتوقف يوما
لتراجع نفسها وتضعها في نفس موقف تلك الروح التي تتعامل معها ، تتشابه في أنها لم تعلم أن البشر ليسوا صناعة واحدة ولكن يختلفون ويفكرون!
إن تلك الصورة
الخارجية التي تميز أبناء كل وطن ما هي إلا قشرة يقبع تحتها شيء عظيم يخبرنا أننا
جميعنا بشر تحركنا نفس القلوب والأرواح ، ولكن نختلف في طريقة توجيهها نحو من
نتعامل معهم، بعضنا يتعامل بخلق الأنبياء والصالحين والآخر يتعامل بلا قلب ولا روح
وكأن الشياطين له إخوان!
إن ما يؤلم حقا هو ذلك الاستغلال البشع لحاجة البشر ،
ذلك الجشع الذي يجعل النفوس لا ترى سوى آلات لجمع المال ، ولست أدري كيف ستحل بركة
الله على عمل ومن يتولى زمامه يظلم من معه .. لا يهم إن كان العامل مسلما أو غير
ذلك ، فالله لا يحب الظلم مهما كان .. ولنا في رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم
خير قدوة ومثال في معاملة كل البشر مهما اختلفت ديانتهم ووطنهم وجنسهم..
وسأعود للبداية لأقول بأن الخطأ كل الخطأ تعميم تصرف شخص
واحد على شعب كامل ، فخطأ جماعة من وطن معين لا يعطينا حقا في وصف شعبهم بنفس تلك
الصفات ، وخير مثال لذلك هو أبناء وطننا الغالي ، فلسنا جميعا على قلب واحد ،
ففينا صاحب المبادئ العظيمة التي يمشي عليها وفينا ذلك الذي لا يرى مبدأ إلا تحقيق
غايته وإن ظلم كل البشر.. وكما رأيتُ تصرفات سيئة من وافدين كُثر كذلك رأيتُ
تصرفات طيبة من آخرين أيضا..
و في مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
( لست بالخب ولا يخدعني الخب ) تنبيه لكل مسلم بأن الفطنة في المعاملة مطلوبة
فيضبط أموره في كل أمر ، وليست الطيبة في القلب سببا ليجعل الإنسان من نفسه غبيا ،
بل سبب ليراعي مشاعر من يتعاملون معه ويحفظ حقوقهم وحقه هو أولا ...
3 ربيع الأول 1434 ه
15 -1-2013 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق