الاثنين، 18 مارس 2013

أمتي العظيمة .. ألا نقرأ من دروس الأيام ؟؟


عند بداية القرن العشرين تغيرت أمور على وجه العالم.. تغيرت خارطة أوطاننا وصرنا من ضمن قوائم خططهم الكبيرة.. تم تقسيمنا ورسم حدودنا.. تم وضع تصور لطريقة سير حياتنا.. ومضت الحكاية.. رحل قرن كامل حمل معه حروبا عظيمة.. أفكارا كبيرة أقامت توجهات فكرية حركت معها شعوبا.. وسقط توجه فكري عظيم ساحبا معه دولة كانت طرفا آخر من أطراف العالم.. رحلت الشيوعية ودولتها.. لم تكن سوى فكرة من أفكار البشر.. وظلت الرأسمالية التي كانت تقارعها.. ويبدو أنها قد بدأت في الميلان أيضا.. ومازالت البشر تبحث عن فكرة بديلة تقوم عنها..
تساءلت أين كان موقعنا في القرن الماضي من كل تلك الأحداث العظيمة.. حروب عالمية أزهقت الملايين.. ثورات علمية غيرت العقول .. صعود للفضاء وهبوط لأعماق المحيطات.. اكتشافات طبية.. وعلوم فكرية.. أين كنا نحن من تلك المائة عام.. هل سيذكر التاريخ أباءنا الذين عاشوا تلك المرحلة بشيء ؟ من الخلج إلى المحيط؟

وعادت دورة الحياة مرة أخرى وكأنها تعيد ما حصل في بداية القرن الماضي.. حروب تقوم في أوطاننا.. نقتل بعضنا بتحريض من عدونا.. نذبح أخانا في الدم والدين والوطن.. وعدونا يضحك ساخرا من أفعالنا.. وفي عقله تدور اسئلة ، أبسطها : ألا يقرأون تاريخ أوطانهم ؟ ألا يعلمون ما صنعنا سابقا في بلدهم ؟ ألا يفكرون أننا لا نفكر في مصلحتهم أو نهتم بأرواحهم ؟ ويمضي ساخرا ذلك العدو الذي استعمر أوطاننا سنين طويلة ونهب ثروتنا وذبح شعبنا ليقول لنا أنه يهتم بدمائنا وأرواحنا.. ثم يدعم طرفا بأسلحة وعتاد ليقوم بقتل الطرف الآخر.. ليبقى هو في النهاية منتظرا قطف ثمرة ذلك الصراع.. ويظل يبتسم ساخرا وهو يقول : ألا يتعلمون أبدا من ماضيهم ؟؟

خبر ليس كالأخبار جاء في قنوات الأخبار العربية المختلفة عن حصيلة قتلى حرب العراق الأخيرة وأنها تجاوزت المائة وأربعة وثلاثون ألف قتيل كنتيجة مباشرة حرب وغيرهم كثير كنتيجة غير مباشرة.. وهذه كلها إحصاءات من قاموا بالحرب نفسها .. جاء الخبر ممن قام بزهق كل تلك الأرواح وكأنه خبر عادي.. من أجل رجل واحد يُقتل مئات الآلاف ... من أجل رجل واحد .. تقوم ذرائع الحرب معهم ... هل حقا قامت تلك الحرب لإسقاط رجل واحد ؟؟ ألم يكن محاصرا ؟ وشعبه يعاني الكثير ؟ مائة وأربعة وثلاثون ألف حياة رحلت وكأنها قطعان ماشية .. خبر جاء كالأخبار لكنه ليس مثلها .. لقد ثاروا على كل بلاد الإسلام عندما سقط ثلاثة آلاف قتيل في أحداث سبتمبر عام 2001 وما زالوا يقيمون الذكرى كل سنة من أجل 3000 آلاف رحلوا ، وذلك حقهم فهم أبناء شعبهم... ولكن رحيل مئات الآلاف من أبناء العروبة هو مجرد خبر عادي لا يستحق إقامة ذكرى تسيل الدموع عليها.. ليس خطأ من قام بالحرب .. لكنه خطأنا عندما جعلنا دماؤنا رخيصة جدا.. وما زالت آلاف القتلى تسقط في أرضنا العربية كل عام ورحل ذلك الخبر عن الألاف القتلى في سلة ذكرى النسيان فنحن نجيد موهبة النسيان كثيرا ، وكان صدمة الخبر أن ما حصل في العراق كان خطأ في جمع المعلومات عن أسلحة الدمار وأنهم سيتعلمون من خطأهم عندما يخوضون حربا أخرى،، هكذا هي دماؤنا مجرد خطأ في معلومة ،، ومع ذلك هم يخططون لحروب أخرى... وعدونا يضحك ساخرا منا .. ألا يقرأون ؟ ألا يتعلمون ؟؟

يشتد في القلب الألم لرؤية المسلم العربي يكره أخاه المسلم العربي لأنه يخالفه في نظرة فقهية قابلة للخلاف وتتسع فيها الآراء ، يكرهه أشد من كرهه لمن يخالفه في الدين.. نصافح بأيدينا غير المسلمين في الشرق والغرب ، نبتسم لهم ابتسامة المعجب المندهش ، نطلب منهم المجيء لوطننا لنتعلم منهم ونستفيد من خبراتهم.. وهم مخالفين لنا في الدين وأيديهم تلطخت بدماء شعوبنا وأخوتنا.. ثم نكره أخانا في الإسلام والعروبة والدم ، نكرهه لأنه من مذهب آخر أو رؤية فكرية وفقهية أخرى ، ونجيش الجيوش ، ونشحن الإعلام ، وتعمل الصحف ، لتُظهر جميعها أن أخانا في كل شيء هو أكبر عدو لنا ويجب القضاء عليه بكل وسيلة ، وينجر المواطن المسكين يُردد كل ما يسمع ، وتُشحن العواطف.. يريدون تطهير الأوطان من رجس أخوتهم في كل شيء!!.. وعدونا من خلف البحار يقتل ويذبح فينا ونحن نحضنه ونبتسم له.. ويظل عدونا يسخر منا : ألا يقرأون ؟ ألا يتعلمون ؟

وقف الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني ليُعلنا أنهم مساندون لقضية أوطاننا العربية في سعيها لحريتها ، وأنهم يريدون إمداد شعب سوريا بالسلاح ، وأن القتل الوحشي يجب أن يتوقف .. وبعبارة أخرى فإن قلوبهم الرقيقة شعرت بمآسي شعب سوريا ، وقد دفعتهم تلك العاطفة الكبيرة للسعي بكل طاقتهم لإمدادهم بالسلاح للدفاع عن أنفسهم وإيقاف إزهاق الأرواح... لقد ظننتُ أنني أستمع لبشر أيديهم بريئة طاهرة!! نظرت إلى العراق وأفغانستان ، نظرت إلى تاريخ أوطاننا معهم وملايين القتلى الذين قتلوهم ، نظرت إلى شعب فلسطين العظيم الذي يعيش تحت ألم وقتل وجوع من ستين سنة وأكثر ولم تحركهم قلوبهم الرقيقة البريئة لإمداد شعب فلسطين بالسلاح ليُدافع عن نفسه ويُحرر أرضه.. فعلمت أن الخطأ ليس فيهم.. بل فينا نحن.. فهم لم يفكروا في شعب سوريا ولا دماء أهلها أبدا.. هم يخططون لمصلحة لهم كما عادتهم ، وما نحن إلا خطة في سلسلة أهدافهم كما كنا سابقا.. عن ماذا يبحثون ؟ وماذا يريدون ؟ .. ويتجول رئيس الوزراء اليهودي القاتل شرقا وغربا ، ويسخر مع أصحابه من أهل الغرب... ويرددون : ألا يقرأون ؟ ألا يتعلمون ؟

أعلم علم اليقين أن في بعض أوطاننا حكاما ظالمين ، حكاما نهبوا شعوبهم وسرقوا خيرات أرضهم ، لكنهم لن يتغيروا بيد عدو ، ولكن بيد الشعوب نفسها .. ولسنا بحاجة لجيوش كبيرة غربية تأتي للقضاء على رجل واحد ، فتدمر كل شيء وتقتل الآلاف.. الشعوب هي من تغير.. ولكن عندما نقرأ ونتعلم من تاريخ مضى وعبرة حصلت.. من حق شعب سوريا والعراق الحياة ، من حقهم أن يعيشوا بكرامة.. من حقهم الوقوف أمام من يقتل أطفالهم ونسائهم وشيوخهم ، من حقهم الدفاع عن أنفسهم .. لكن علينا أن لا نكيل بمكيلين ، فأن تقوم دول عربية بالمناداة للحرية والكرامة لهذه الشعوب وهي تسجن أبنائها وتكمم أفواههم لهي معادلة لا حل لها..

هو مخاض عسير تمر به أمتنا ، مخاض بدأ قبل مائة عام ومازال ، يجب أن تتغير أجيال وأجيال وأجيال ، يجب أن تتغير حياتنا وعلومنا ونظرتنا للحياة ولمن يحيط بنا ، يجب أن نعلم أن كل قطرة دم هي غالية جدا ، يجب أن نعلم أننا لسنا ساحة لتصفية حسابات الدول .. وهم لن يتركونا في حالنا ، فكيف سيتركون شجرة تعطيهم ثمارا بالمجان!
ومع كل ذلك فالتفاؤل يغمرني بأن مستقبل الأمة ليس كسابقها ، ففي جيلنا شعلة الأمل تزدهر وتشتعل ، في جيلنا محصلة تاريخ أمة عانت كثيرا من الخارج والداخل ، في جيلنا تغيير بدأ وسيواصل المسير ،، أرى نافذة الأمل تشرق على كل وطن في أمتنا.. أرى حياة ليست كسابقتها.. سنمر بالكثير من المآسي والمصاعب ، سنمر بالكثير من التحديات ، سنظل محور العالم في صراعه وحروبه.. لكن سيأتي اليوم الذي سنعلم أن أخانا في الدين والدم والحياة هو من يستحق التضحية والحماية والعيش معه..

في مدينتي العظيمة ، تُشرق الشمس على قلعة كبيرة بناها أئمة عظام ، تذكرني كل صباح عن تاريخ شعب تخلص من مستعمر بعد أن كان مشتت متفرق لا حول له ولا قوة، فرقته المصالح والقبلية ، فتجمع بعد الشتات وتآلف بعد الفرقة.. فطردوا المستعمر ليس من أرض الوطن فقط ، بل من كل قطرة في المحيط الهندي ، وأعادوا السلام لكل تلك البقعة الشاسعة ، بعد أن كانوا أمة ذليلة مشتتة أصبحوا أسياد ذلك البحر وتلك الأرض.. وتلك الأيام دُول يُقلبها الله ، ويُورث أرضه من يشاء.. تُشرق الشمس عليها لتذكرني أنه مهما اشتد الليل فهنالك أمل يسطع بعده.. ورحل أولئك الآباء العظام وتركوا لنا أثرا يذكرنا كل صباح أن قوتكم ستعود عندما تتحدوا وتتآلفوا ... عندما نخلص النية لله ، ونخلص العمل له وحده..

في التاريخ عبرة وفي سير الأيام دروس ودروس ، لنقلب صفحات تاريخ أوطاننا ، لنتعلم من كل أمر حصل في تراب أوطاننا..

الإثنين
6 جمادى الأولى 1434 ه
18 مارس 2013 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق