دار حديثنا عن مجلس الشورى وصلاحياته الجديدة الممنوحة له قريبا، فقال : لا
فائدة تٌرجى، مجرد كلمات وضعت للضحك على العقول البسيطة.
إن ما يجعل المرء يتأمل كثيرا من ينادي بفكرة إصلاحية جميلة لصالح كل فئات
المجتمع ، ويثبت عليها ثباتا عجيبا، عندما يبدأ سير عملية الإصلاح، تراه متذمرا
ناقما بأن كل ما قٌدم هو لا شيء ! والواقع فعلا ونحن معه في ذلك أنه لم يُقدم كل
شيء إلى الآن ، ولكن ربما تكون تلك العملية الإصلاحية التي بدأت تشمل كثيرا مما
نادى به وتلك بداية خير.
وهنا يدفعنا التاريخ بعيدا في كل عملية إصلاحية حقيقية حصلت في كل ركن من
أركان العالم، حديثا أو قديما، فهي عملية مرحلية تنتقل بخطوات تدريجية، تتناسب
طرديا مع من يمسكون زمام السلطة الراغبين في التغيير لصالح شعوبهم وبين المطالبين
بتلك الإصلاحات.
فالإصلاح يرتبط بتغيير واقع تعود عليه جزء كبير من ذلك المجتمع والكثير
منهم لا يرى بأسا فيما يحصل وحتى وهو يتقلب في واقع مرير!
وكل إصلاح يرتبط بواقع تلك الامة نفسها، فمن الإجحاف أن نقارن بين شعب
وشعب، وهم يختلفون في الكثير.
والإصلاح إنما يتواصل عندما يتغير فكر جماعة كبيرة أو حتى جماعة بسيطة من
شعب ذلك البلد، الذين جمعهم واقع ما يرون وإن اختلفت اطياف توجهاتهم ومقاصد
عقولهم.
وعندما تعود لمجتمعنا تجد الشريحة الكبيرة مازالت تترسخ في بواطن عقولها
أفكارٌ عديدة بأننا أفضل الشعوب بلا منازع وأننا لدى البعض نمثل تلك المدينة
الفاضلة التي يتمناها الكثير من البشر، وربما أبسط تلك الأفكار أن ما تم إنجازه
خلال تلك العقود الماضية قد وصل بطموحات الشعب منتهاها وأننا في راحة، وكلٌ يشكر
المولى القدير على ما في يديه، فهنالك الكثير ممن لا يجدون شيئا!
ربما لن تتغير كل عقول شرائح المجتمع وليس ذلك هو المطلوب، ولكن المطلوب هو
تغيير ذلك الإحساس الذي يبارك كل شيء ولا ينتقد أي شيء، وإنما سمعنا وأطعنا!!
وتغيير ذلك يتطلب تغيير توجهات الجيل الجديد الذي صحى وهو في عالم لم يرَ
فيه تلك المنغصات الشديدة في الحياة التي يرويها لنا أباءنا كل صباح ومساء، فهو
جيل يتطلع لواقع جديد، وإن ترسب في عقله واقع حياة قد عاشاها أبائه وينسى أن لديه
هو بنفسه حياة سيعيشها ويعيشها أبناؤه من بعده فذلك هو الواقع المرير في حياة جيل
يعيش زمان قد ولى ونسي واقعه وما ينشده.
وكما قيل : ( من لم يشكر الناس لم يشكر الله ) فكلنا يشكر
الله كل يوم على كل ما صار في أرض الوطن، فمن ينكر ذلك فهو مكابر ومعاند لواقع
موجود، وما فعله قائد البلد هو شيء كبير حقا في حياة أمة كانت مشتتة فجمعها الله
به، وأعطاها الكثير وسخر حياته لها، وصار رمزا لشعب كامل، أحبه ليس بقوة سلاح أو
مال، بل أحبه لما صنعه لهذا البلد العظيم، وما صنعه مرة أخرى عندما استمع لشباب
الجيل الجديد هو دليل أنه جعل الوطن وشعبه أولا كما كان همه دائما، ولعل ما فعله
بقية زعماء العرب، يُرسل مقارنة فارقة فيما صنع قائد يحب شعبه، وزعماء اصروا على
قتل شعوبهم.
لن يقول عاقل أن ما أٌنجز قد بلغ الكمال ولا حتى ما يتطلع الكثير من تحقيقه،
وكذلك هنالك الكثير من الأمور التي مازالت معلقة وبحاجة لمراجعة وعمل الكثير فيها.
ولكن عندما وعد سلطان البلاد وقال بأنه سيبدأ في الإصلاح، فقد بدأ فعلا وتم تغيير
الكثير، وهنا مربط كل شيء، فهنالك مطالب هي مشروعة وحق ، والاستجابة لها ليس شيء
يتكرم به من يمسكون زمام امور البلد ولا تفضلا منهم، بل واجب عليهم ولزاما أن
يفعلوه فذلك هو واجبهم تجاه هذا الوطن، وقد بدأ في تنفيذ تلك المطالب وانطلق
المسير فيها، وما تطلبه هذه المرحلة ليس التثبيط ونشر الفرقة ، وإنما تقييم ما
يحصل ونقد ما تم ، فليس هنالك تغيير سيحصل في يوم وليلة.
والراغب حقا لمصلحة الوطن وشعبه ليس بالمتقبل لكل شيء فتلك هي الطاعة
العمياء التي فعلت في البلد ما فعلت واوصلتنا لحالة الغليان! وإنما هو الساعي
لتقييم ونقد ما يراه يتحقق من مراحل إصلاحية، فإن كانت تسير في طريق صحيح، فهو
دافع لمطالبة أكبر لتصحيح المسار أكثر ولكن بالمشاركة الفاعلة في ذلك الإصلاح، وإن
كانت بالفعل هي مجرد كلمات تلقى في الهواء لإسكات الشعب فهي كلمات حتما لن يطول
أمدها وستظهر للجميع قريبا.
لا تتقبل كل شيء ولكن أيضا لا ترفض كل شيء، وكن بين الأمرين متابعا، فإن
خمد صوت المطالبة حتى في زمن الإصلاح فتلك رسالة بإن من يحملون ذلك الصوت إنما رسالة
إصلاحهم وقتية سريعة الزوال، وفي مقابل ذلك فإن تعنت صوت تلك المطالبة في زمن
الإصلاح ورفضها لكل شيء هي إشارة إلى أن فئة قليلة-وليست الكل- ممن يتصدرون لذلك الإصلاح ما
زالوا بحاجة لفهم الإصلاح نفسه. ولكن لعل ذلك القليل يحمل الخير الكثير للمجتمع
رغم رفضه القاطع لكل شيء!! فنظن بالجميع خيرا، وكلنا في خير عمان..
وعدنا لمجلس الشورى وكذلك هيئة حماية المستهلك ومجلس الدولة وغيرها مما
يشغل حديث الشارع، ودار حديث طويل لا أعلم كيف انتهى، فكل ذهب في جانب وهو مقتنع
بأن صاحبه يعيش في عالم آخر!
لعلي أعيش في ذلك العالم الذي يقرأ تاريخا وفصولا انتهت أيامه وتاريخا
مازال يكتب نفسه، وليس عالما يتبع عاطفة تخبو وتفور، وعاطفة ناقمة، وعاطفة مصدقة.
لن نجري وراء كل إصلاح ولن نرفض كل إصلاح، ولكن قد بدأ المسير، فحريٌ بنا
أن ننطلق معه ونرى ونسمع ونقيم، فنحن جيل نحمل امانة لجيل قادم، وشعب يظن فينا
الخير..
وسيبقى هو رأيٌ لصاحبه، ومن يدري فلعل في رأي الآخر صواب أكثر.
صباحك خير يا وطن
عبد الله الراشدي
23-10-2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق