الخميس، 17 يناير 2013

بين الإعجاب والتقديس ، إفراط أم تفريط


بين الإعجاب والتقديس ، إفراط أم تفريط

هنالك جدل يتكرر بين كل من يحمل في قلبه شيئا نحو فريق لا يرتاح لفكرهم أو طريقة تعاطيهم لبعض القضايا ، فهم يتهمون مخالفيهم بالتقليد الأعمى  وتقديس أشخاص بعينهم  واعتبار رأيهم كل الصواب ولا يرضون بأي نقد يأتي عليهم ، وفي مقابل ذلك فإن كل طرف يصف نفسه بالاعتدال في الفكر والطرح والتعاطي مع القضايا وأنهم لا يقدسون أحدا إلا الصواب والحقيقة! -  أحيانا أظن أن جميعنا أو الكثير منا موقنون أننا معتدلون كل الاعتدال وغيرنا لا يفقه شيئا ؟؟ ألم يخطر في بالنا أن معظمنا وضع أفكار وآراء الآخر تحت محكمة عقولنا ولم نضع أفكارنا إلا نادرا تحت نظر محكمتنا العجيبة.. في كل قاعدة شواذ ولا ريب أن من ينظر بعين العقل المحايدة موجود وهم طائفة ليست بسيطة..

قبل الانطلاق والبدء فقد استوقفني قبل أسابيع مقطع مرئي مدته ساعة ونصف وكان لتأبين أحد الأشخاص الذين أثروا في الحياة إيجابا والذي رحل عن الحياة قبل سنتين ، اسمه جيم رون ، أمريكي ، لم يكن سياسيا أو نجما في تلفاز اليوم أو لاعب كورة أو غيرها .. كان إنسانا بسيطا استطاع تغيير حياته بعد تخبط كبير ، ثم نقل تلك التجربة للآخرين ، تابعتُ له الكثير من المقاطع المرئية وأعجبت كثيرا ببساطة حديثه وسهولة كلماته وعمق حكمته ،إنسان لا تستطيع سوى الاستماع له إلى النهاية ،، وفي حفل تأبينه ذاك رأيت ما معنى الاحترام لشخص غير حياتك وأفكارك ، كان يصعد المنصة كثيرون ليتكلموا والدموع تملأ عيونهم وقلوبهم وهم يتحدثون كيف حول جيم رون حياتهم وكيف كانت كلماته دستورا لهم في حياته وأنهم سيواصلون نشر رسالته للجميع ، ثم تتفاجأ بكبار المدربين والمحفزين والذين يعرفهم الكثير وأثر فيهم جيم رون، وجميعهم جعلوه قدوة ورمزا وأستاذا لن ينسوه ..

في نهاية ذلك المقطع المرئي ، سترى ذلك الفرق البسيط بين عمق الاحترام والقدوة الطيبة ، وبين مفهوم التقديس البعيد عنه ، هم احترموا فكره وما فعل في حياتهم فحفظوا قدره وواصلوا مسيرته لكنهم احتفظوا بشخصياتهم وأحلامهم وطريقة تفكيرهم..

اشكر صديقي العزيز الذي دلني على جيم رون فقد وجدت فيه اختلافا كبيرا عن كل متحدث ومدرب ، كان يريد مشاركة تجربته فقط ليخبر الناس أن التغيير ممكن في أي وقت وفي أي عمر ،، وأنصح بمتابعته فحديثه حكمة كبيرة ودروس من واقع تجربة عاشها بنفسه..

إن الرابط بين الحديث السابق وبين موضوع الاحترام والتقديس هو ذلك الشعور الذي يُداخل ويسكن قلب وروح كل فرد منا شاء ذلك أم أبى ، اعترف به أو كابر نفسه في الإنكار. ذلك الشعور الذي يدفعك إلى احترام أُناس غيروا في فكرك وحياتك ، تذكرهم في مجلسك وتُثني عليهم بين الحين والآخر اعترافا بفضلهم ، وقد تعشق كلماتهم وتتابع خطواتهم ،
ألم يقل شاعرنا :
والأذن تعشق قبل العين أحيانا !

قد يكون كاتبا أسرتك عذوبة كلماته أو قاصا أعجبتك روعة قصصه ،قد يكون مفكرا أنار لعقلك ما كان مظلما أو عالما شرعيا فقيها بين لك الطريق القويم بعد أن تاهت روحك كثيرا ،، وقد يكون مجرد إنسان بسيط لا يعرفه أحد ولكنه وضع بصمة في حياتك فصار لذلك الإنسان مكانة عالية داخل قلبك..

وهنا يختلف البشر في طريقة التعامل مع ذلك الإعجاب.. بعضهم يأخذ منهم ما يناسبه ليقينه بأنهم بشر لهم صواب وخطأ كغيرهم من البشر ولكنه يعترف لهم بالفضل ولا يغمط حقهم ، وبعضهم يُقدس معجبه ويجعله بلا مثيل فلا يرضى بأن يتكلم أحد بشيء فيه نقد وتخطئة عليه ويعد ذلك هجوما عليه هو !! ...

إن الإسلام جعل التوزان سمة له في كل شيء ، وأمر كل مسلم بأن يكون وسطا دائما ، ومن سمة ذلك التوازن هو الإعجاب المعتدل الذي لا يُفقد الفرد شخصيته فيذوب في شخص معجبه ، ولا ينس عقله فيجعله جامدا يتبع كل شيء يأتيه منه بلا تفعيل لدور العقل ، وكذلك أمر بعدم الهجوم الأعمى على البشر ورفض كل شيء يأتي بحجة أنهم لا يوافقوا عقلنا ومنهجنا وأنهم مجرد متبعون بلا استخدام عقولهم..

وإن من ينتقد غيره بسبب الإعجاب إنما ينسى حقيقة نفسه ، فتراه يستشهد بنفسه كل حين بأقوال كاتب مشهور أو قاص معروف أو فيلسوف كبير ، وتسمعه يقول : قال فلان وقال فلان ، وقد يفيض عليهم أحيانا أوصافا تصف عمق فكرهم وانفتاح عقولهم وغيرها من الصفات التي تدل على تقدير وإعجاب ، بل يُحاج البشر بأقوالهم .. ثم في مقابل ذلك يخاطب ذلك الطرف الآخر بأن عليهم استعمال عقولهم بدل الإعجاب !
إن الإنسان ذو ملكات وقدرات محدودة لا يحيط علما بكل شيء ، ولذلك نحن في حاجة دائمة لكل شخص يُكمل ذلك النقص المعرفي لدينا ، وإن من يدعي عدم حاجته لأحد إنما هو مكابر لنفسه ، فعقل الإنسان مهما كان عظيما يظل محدودا لا يحيط إلا بزوايا بسيطة من العلوم ، وتظل زوايا كثيرة جدا يتقنها بشر آخرون متعمقون فيها لأنهم أفنوا حياتهم فيها ، وربنا العظيم تعالت أسمائه وجلت صفاته يؤكد لنا نحن البشر هذه القاعدة في كتابه الكريم : (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) سورة الإسراء . 85

ومن البداهة أننا سنعجب بذلك المتعمق في مجاله وسنتجه إليه عندما يُشكل أمرا علينا ، وسنكن له احتراما وتقديرا ،فما لديه لم يأته سهلا بل جاء بعد سهر وتعب واجتهاد قد تكون دامت سنين طويلة ، سنحترم علمه وتعمقه ، وسنستعمل عقولنا لنأخذ ما نراه يناسبنا وفق منظومة الإسلام وما يوافق واقع مجتمعنا .
وللمسلم صفة كبيرة ، هي عدم عجلته في إصدار الأحكام على البشر مهما كانوا ، ينظر إلى نفسه أولا ويتهمها بالقصور ويُحاول التماس الاعذار للبشر وفهم نفسياتهم قبل معاملتهم .. وفي القرآن الكريم وسنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم شواهد كبيرة تؤكد على المسلم منهج التروي في إصدار الأحكام على البشر..

والإعجاب الشديد والعشق المطلق إنما هو لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذلك العشق وإن بلغت فيه مبلغا كبيرا لم يزدك إلا عقلا وفهما كبيرا للبشر ، وفي قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر بن الخطاب رضي عنه تعليم لنا عن من يستحق ذلك الحب الكبير،  ‏فعن عبد الله بن هشام ‏ ‏قال ‏ : كنا مع النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وهو آخذ بيد ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏فقال له ‏ ‏عمر  : ‏يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم : ‏ ‏لا والذي نفسي بيده ‏ ‏حتى أكون أحب إليك من نفسك  فقال له ‏عمر ‏: ‏فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم :‏ ‏الآن يا ‏ ‏عمر ‏ رواه البخاري . وستدرك أن ذلك العشق يفوق ما نتصور..

إن قصة التقديس والاحترام جميعنا يقع فيها ، بعضنا يغالي فيه وبعضنا معتدل ، سيعجب الأديب بالأديب والشاعر بالشاعر والفقيه بالفقيه والكاتب بالكاتب وصاحب كل علم وصنعة بمن يراه مثيلا له وشبيها له  ، وإن الأولى بنا عدم التقليل من شأن الآخر بل محاولة إيصال مفهوم القدوة وأخذ المفيد والنافع من الآخر. ولعل وجهة نظر الطرف الآخر أفضل مما نحمل .

إنه لا ريب أن من يقلل من شأن من نحترمهم سيترك في قلبنا شيئا عليه ، وهكذا طبع البشر فهي تحب ان يعلم الآخر لما هي معجبة بذلك ، وجميل إن رأينا خطأ بسبب المغالاة الذي وصل لحد العمى أن نحاول بالحسنى توضيح بعض الامور الخاطئة التي نراها فيمن يقلدون ومن يقدسون ، وذلك لن يحدث ونحن صبحا ومساء نستنقص منهم ومن عقولهم ونصفهم بالجهل والغباء وعدم استعمال العقول ، ومن سيرضى أن يستمع لنا ونحن نصفه بقلة العقل والتفكير ؟؟؟  ولن يكون علاجا لمشكلة إن كنا نزيد النار جمرا ونبالغ في حرب من نريد إصلاحهم بل سيتحول إلى عاطفة عمياء تثور في نفوس كل طرف ليدافع عن من يحترمه سواء كان ذلك حقا أو باطلا ،والعواطف تحجب بصيرة العقل عن التفكير .

علينا توضيح أثر تلك الأفكار على النفوس والعقول والمجتمع ودورها أحيانا في تعطيل سير الحياة وكل ذلك بحوار هادئ يُناقش الأفكار والرؤى ولا يُناقش الأشخاص وحياتهم، ولنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم خير مثال في احترام العقول والنفوس والتغيير بالحسنى .. كان يناقش أفكارهم ومعتقدهم ويبين بالحسنى موضع الفرق بيننا وبينهم، ولم يهاجم شخصهم ولم يقلل من شأنهم بل أكرم مقامهم وأحسن استقبالهم ووداعهم . وذلك كان لمن يخالفه في الدين والعقيدة ، فكيف بمن هو مسلم مثلنا وأخ لنا في الوطن والدم ، أليس هو أولى بحسن الخطاب ؟!!..

وقبل وضعنا لأي حل كان ، علينا وضع أنفسنا في مكانهم ونتذكر كم نحن معجبون أيضا ببشر تحركنا أفكارهم وأقوالهم ونقتبس من تجارب حياتهم ، وكم تأثرنا سابقا ببشر ظننا أنهم جاؤوا بالصواب ثم مع السنين اكتشفنا أن ذلك كان خطأ ، نحن مثلهم !! فلماذا لا نحاول فيه بالحسنى..

كبشر سنظل نحترم بشر آخرون ظهروا وسيظهرون في حياتنا ، وهدفنا أن نهيأ العقول لتكون جاهزة لجعل ذلك الاحترام في ميزانه الصحيح ، لتجعل من عقلها محركا يعمل ولا يتوقف ، يحلل ويناقش ويزيد ويبدع شيئا أكثر وأكبر ممن يحترمهم ، ويجعلها واثقة أنها بيدها تقديم الكثير، ألسنا كذلك سنفعل إن زدنا على كل علم؟؟
ومن يدري كيف ستتحول العقول ، نعم قد يظل البعض على تقديسهم وذلك أمر لا مفر منه ، وقد يتهمك البعض بأمور وأنت تريد الخير وذلك أمر سيحصل أيضا ، لكنك لن تغير كل البشر ، وإنما عليك فعل ما تستطيع ، فعقل واحد في البداية هو كاف ، وبعدها ستتلوه عقول ..

ويقينا لن يتوقف التقديس والإعجاب والتقليد الأعمى إلى يوم الدين ، ونحن علينا كذلك أن لا نُوقف حركة العقول أيضا إلى ذلك اليوم الموعود..

5 ربيع الأول 1434 ه
17 – 1- 2013 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق