بين الحين والآخر تتحدث عن مكارم الأخلاق ، عن الحب بين
البشر ، حسن المعاملة ، بر الوالدين ، تربية الأجيال بالحسنى.. وتحاول التركيز على
التصرفات الخاطئة التي تقابلها في حياتك اليومية.. وتبين من وجهة نظرك القاصرة ما
تراه موافقا لحسن الخلق الكريم.. يفاجئك البعض بأنك تبحث عن المدينة الأفلاطونية
الخيالية! أو أخلاقا مثالية موجودة في روايات الحالمين وكتابات الخياليين ، وأن
علينا الرضى بحال المجتمع هكذا..
إن المفاجأة ليس في ذلك الفكر الأفلاطوني الذي يظن البعض
أن كل دعوة للخلق الكريم ورائها ، وإنما في تناسيهم الكبير أن ما يدعو إليه كل
مسلم عاقل إنما هو ذلك الفكر المحمدي الإسلامي الراقي ... وكم هي شاسعة المقارنة
بين مدينة أفلاطون الخيالية وبين حياة نبينا محمد صلى الله وسلم التطبيقية التي
سجلها التاريخ لحظة بلحظة من واقع حياته اليومية..
من بين المبادئ التي غرسها الرسول صلى الله عليه سلم في
عقول أتباعه الكرام أن قلوب البشر مختلفة جدا ، وأنه مهما بلغ صلاح المجتمع
الأخلاقي فلابد من وجود ذلك الصنف المضاد له .. ولهذا كان في عهده صلى الله عليه
وسلم مختلف أنواع البشر من مؤمنين يتحلون بأرقى صفات الإنسانية التي تفوق تخيل
أفلاطون نفسه وتخيل من قابلهم لاحقا ، وبين منافقين يتحلون بأدنى صفات البشرية
التي من الممكن أن تخطر على فكر إنسان ... وذلك في أرقى مرحلة في عصر الإسلام وبين
أفضل البشر صاحب الخلق الكريم..
ذلك مبدأ لابد من وجوده في العقول لتعلم المراد من كلمة
الإصلاح ، فوجود الضدين شيء ملازم لحياة البشرية ، ولذلك كان هنالك المصلحون ،
وكان في حياتهم من يحاربهم من أعتى طغاة البشر .. ولكن السؤال الكبير الذي يجب طرحه على عقل كل مسلم واع كل لحظة : هل
وجود خلل كبير أخلاقي في المجتمع يمنعنا من السعي لنشر كل خلق كريم بحجة أن ذلك لا
فائدة منه ؟ ولعل السؤال الأكبر منه : ماذا سيكون دورنا إذا كمسلمين في هذه الحياة
إن تركنا مهمتنا التي أمرنا الله بها بالسعي لنشر كل معروف ؟؟ أليس ذلك دافع كبير
لنا للسعي لتغيير ما نراه من تصرف أخلاقي خاطئ .
من يعتقد أن لا فائدة من السعي لنشر كل خلق كريم إنما هو
راجع لعدة أسباب ومنها ، السبب الأول :
اليأس بلغ منه مبلغا كبيرا فغرس في داخله اعتقادا بأن كل كلام عن إصلاح خلق البشر
إنما كلام خيالي فقط والأولى بنا الرضى
بواقع الحال .. السبب الثاني : يظن أن تلك الأخلاق فقط قابلة للتطبيق في عهد
الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام عليهم رضوان الله بسبب قربهم من الوحي وشخص النبي عليه الصلاة
والسلام.. الثالث : أنه يعيش في وسط ومجتمع مسلم ينادي بهذه الأخلاق ، ولكنه يعاكسها
في كل فعل وقول ..
إن سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لم يصنع مدينة
فاضلة كما تخيلها أفلاطون ، لكنه كان بنفسه عليه صلوات ربي أكبر وأعظم مدينة فاضلة
وسامية عرفتها البشرية ، وغرسها في قلوب أصحابه المخلصين فنقلوها معهم أينما ذهبوا
ونزلوا ، وذلك الذي أدهش كل أمة تعاملت معهم ، لقد رأوا بشرا ولكن ليسوا كالبشر ،
لقد كانوا أخلاقا عظيمة تمشي على الأرض ويراها من يعاملهم .. وذلك هو جوهر الأخلاق
.. أنت تكون بنفسك أولا مثالا لكل خلق تدعو إليه ليرى فيك البشر حقيقة تلك الأخلاق
..
وهل كان ذلك شيئا صعب التطبيق ؟؟ بل كان سهلا بسيطا ،
وهذه هي روح الإسلام .. لقد حث الرسول صلى الله وسلم أصحابه على التبسم في وجوه
البشر في كل وقت... فهل تبسمت وطبقت ورأيت كيف هي نتيجة ذلك ؟؟
أمر أصحابه الكرام وأمته بعدم الغضب ، وها نحن نرى في
كتب التنمية البشرية والحكمة وعلم النفس يحضون بل يؤكدون أن الإنسان الناجح في
حياته الشخصية والعملية والاجتماعية من يستطيع ضبط غضبه ومشاعره.. فهل طبقنا هذا
الأمر امتثالا لأمر رسولنا الكريم ثم نرى كيف النتيجة ؟؟
أمر أصحابه الكرام وأمته بصلة الرحم وإطعام المساكين والسؤال
عن اليتامى ومساعدة المظلوم ، أمر أمته بالتراحم وصلة الأصحاب والعفو عن المسيء
والسؤال عن الغائب ومشاركة الناس في أفراحهم ومصائبهم وحسن معاملة الجار.. وما أسهلها من أمور يستطيع
فعلها كل إنسان.. وتلك جميعها أفعال بسيطة جدا يقدر على فعلها كل إنسان ولكنها
أيضا روح الإسلام وبساطته ويسره .
في الحياة لن ينعدم أبدا وجود خير وشر ، أصحاب مبادئ
يطبقونها واقعا ، و آخرون كلامهم مجرد حبر على ورق وهواء يخرجونه مع كل نفس.. ولكن
المهم أن يسعى كل مسلم لاقتباس ذلك النور الذي عاشه رسولنا الكريم صلى الله عليه
وسلم ويسعى لتطبيق ما يستطيع في حياته ، وسيدهش كم حياته ستتغير وكم سيتغير من
يتعامل معه .. ونعم لن نبلغ ذلك الكمال البشري الذي كان عليه رسولنا صلى الله عليه
وسلم.. لكن أليس ذلك هو الرائع فينا كبشر أننا نسعى لبلوغ ذلك الكمال البشري
المتمثل في سيد البشر ؟ . أليس ذلك هو ما خُلقنا لأجله ؟ أن نتعلم من كل خطأ نفعله
ونصلح أنفسنا ونكون أفضل . أليس ذلك ما
يسعى إليه كل عاقل واع ، أن يملك زمام نفسه ويكون بشرا وليس آلة تحركها الأيام حيث
شاءت. أليست رسالتنا أن نكون أخلاقا إسلامية تمشي على الأرض.
نحن بحاجة لقراءة أخرى لسيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم
، وتتبع خطوات حياته ، كل موقف عاش فيه وكيف تعامل معه ، ففيها جواب ما نبحث عنه .
نحن بحاجة لنعيش قصة حياته في حياتنا نحن .. لا نقرأ باللسان فقط ، بل نعيشها في
كل موقف في حياتنا تطبيقا عمليا.. وما أطيب أن نبلغ ولو شيئا بسيطا من ذلك الكمال
البشري الذي كان عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .. مع تذكر أن كل شيء سيكون
له نقيض ، ولن ترى مجتمعا ملائكيا خاليا من كل نقص وعيب.. بل مجتمع يفيض بكل صنف
ونوع وربما من أقرب الناس إليك..
وشتان بين مدينة فاضلة من صنع تخيل بشري قاصر ، وبين
أخلاق سامية لرسول كريم عظيم أدبه رب العزة والجلال ..
26 ربيع الأول 1434 ه
7 – 2- 2013 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق