الثلاثاء، 12 فبراير 2013

بين ثوران المشاعر وتحكيم العقل


كنت أندهش من تغير مواقف الناس الكبيرة جدا ، عندما أحاور بعضهم عن أحداث الوطن وأتفاءل خيرا في القادم وأن التغيير يأخذ وقتا تدريجيا لا بد منه وهذه هي سنة الحياة وأن من المستحيل أن تغير مخلفات سنين طويلة في وقت قصير ، أسمع ردودا بأنه لن يتغير شيء ولا فائدة من كل هذا وتخرج كل مشاعر الثوران الغاضبة..
كنت أتعجب من مشاعر اليأس القاتمة التي تسكن قلوبهم ، ما سببها ولما لا يرون شيئا من الأمل؟ وكانت دهشتي تزيد عندما أرى نفس البشر يهللون فرحا بعد أن تغيرت كثيرا من الأمور وإذا بهم يتكلمون بعبارات تفوق الإيجابية كثيرا ، وترى عبارات عجيبة من الأمل والتفاؤل تصدر منهم.. وتعود التساؤلات في عقلي مرة أخرى: ما الذي حدث لهم ؟ رغم أنه لم يتغير الكثير لكنهم يهللون فرحا وطربا ؟ أين تلك الروح البائسة القاتمة ؟ وهل تغير كل شيء لتطيروا فرحا هكذا ؟

كنت أبحث عن روح وسط بين ذلك الجانبين ، روح لا تفقد الأمل في الله مهما اشتدت وطأة الأيام ، وروح تتأمل في كل موقف وتتعلم عندما تتحسن الأحوال ، روح لا تنجرف بين طرفي ذلك النقيض انجرافا تاما ، بل تستخدم عقلها لتنظر في حلول وقت اليأس وتقيم الأوضاع ولا تطير فرحا أكثر من اللازم عندما يتحسن أمرا ما..

مع مرور الأيام بدأت تلك الدهشة ترحل قليلا عندما أقابل بشر مثلهم ، لقد علمت أنها لم تكن سوى انفعالات ومشاعر مكبوتة داخل كل فرد منا ، بعضنا يُحسن ضبط مشاعره في كل موقف ، والبعض يترك لها العنان لتصرخ يأسا وتصرخ فرحا بدون حساب وينسى أنه فعل ذلك!

ربما العتب البسيط هو فقدان الثقة في الله وقت اشتداد الأزمات ، والله تعالى يقول لنا :  )وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } يوسف87 .  تلك هي حال المسلم ، في أقسى ظروف الأيام يبعث في داخله أملا في نصر الله له.. والعتب البسيط الآخر هو تعاملنا البسيط جدا وقد يكون ساذجا أحيانا عندما يظهر تطور وتغير للأحسن فنظن أن كل شيء تغير ... وننسى تقييم كل مرحلة والتفكير فيما بعدها.. إن العتب على ذلك الانجراف السريع والتقلب مع كل موقف سلبا وإيجابا بدون تفعيل دور العقل..

عندما تُكبت المشاعر في داخل القلوب سنين طويلة فحتما ستثور يوما كالبركان الهادر ، تقطر غضبا على كل شيء وعلى لا شيء ! مشاعر تثور لأن العنان قد فُتح لها أخيرا.. وربما هو خير فلا بد من خروج تلك المشاعر المكبوتة في كلمات على الأقل..

لا ألوم أكثر البشر على تلك المشاعر الهائجة التي لا يضبطون معها قولا – رغم أن كل فرد محاسب على فعل وقول أمام الله تعالى – لكنني ألوم من يتصدر مشاهد الفكر والثقافة والعلم والتوعية.. الذين حباهم الله بمعرفة ونظرة أوسع أحيانا لبعض الأمور.. ألومهم في انجرافهم مع الموج عند كل تغير ، وكأن كل تلك المعرفة إنما هي كلمات على أوراق وليست للتطبيق على واقع الحياة.. ونسوا أن عليهم مهمة عظيمة في توعية البشر.

إن من هو مشغول طوال يومه في البحث عن قوت يومه وتأمين عيش كريم لعائلته قد ينشغل كثيرا عن متابعة ما يحصل حوله ، وسيبحث عن جواب لدى من يثق بعلمه وبصيرته ، فإن وجد ذلك الشخص ثائرا سيكون مثله عادة ، وإن وجد منه عبارات اليأس السوداء فلن يفعل سوى مثله.. وهكذا تنتقل تصورات الأفكار.. ومن يستطيع لوم إنسان  يقضي معظم يومه في العمل ولا يجد من الوقت إلا القليل ويقضيه بين أسرته؟!.. هل سنلومه لأنه سار في ركب رآهم يفعلون شيئا وفعل مثلهم!! ألسنا جميعا تفوتنا الكثير من الأحداث ونضطر للسؤال عنها والبحث ؟

لعل ثوران تلك المشاعر في القلوب بين حالة وحالة هي جواب بعض ما حصل في مدار تاريخ البشرية ، عندما يقود قائد عظيم ملايين البشر إلى حتفهم وهم يهللون له ويكبرون بل وسيكون مقدسا وبطلا! ، عندما تميل القلوب شرقا وغربا في إتباع من يحسنون استغلال مشاعر البشر وتوظيفها التوظيف المناسب لهم.. عندما يترك البشر أنفسهم لمشاعرهم تحركهم ويهملون استخدام ذلك العقل العظيم.. إنها تلك الانفعالات عندما يتركها البشر تسيطر على العقل فسيقودهم كل خبير في فهم تلك الحالات.

وهل سيكون مثقف ومفكر وصاحب معرفة من ينقاد في كل موقف بدون تحليل واقع ما يدور ؟ وهل فكرنا في مشاعرنا التي تحركنا ذات اليمين والشمال وقررنا تحكيم عقلنا في ما يدور حولنا؟

إن من يتأثرون سريعا ويغيرون أفكارهم هم كثير. وفي الحياة عقول تُجيد توظيف تلك المشاعر التي لا تضبطها حدود ، ولا أسلم للفرد ليرى واقعا آخر غير الذي تعود عليه سوى أن يدرب نفسه على تحليل تلك الأحداث الكبيرة التي تحصل أمامه.. يربط بين كل تغير يحصل ومصلحة مجتمعه  فيه ، ويرى وينظر في أقوال كل فريق ومقصدهم ، ويرسم صورة عامة يحاول تجميع أبطال قصتها قدر استطاعته.. ربما لن يصل المراد في أول مرة وربما سيصل لأفكار عظيمة ، لكن أهم نقطة هنا هو محاولته لتشغيل عقله في النظر لما يدور حوله..  ومن تعود على ذلك سيبدأ في النظر بشكل آخر..
عليك أحيانا أن تكون مستقلا في رؤيتك ونظرتك ، عليك أن ترى ما وراء نظرتهم ، عليك أن لا تذيب شخصيتك داخل شخصياتهم وتتبعهم في كل واردة وشاردة.. عليك أن لا تقلل من قيمتك كثيرا.. قد لا تكون أعلم البشر ولا أكثرهم ثقافة لكن على الأقل عليك أن تحتفظ برأيك وشخصيتك فعقولنا لم يخلقها الله لتكون جامدة..

وسأعود إلى تلك الانفعالات التي لا يجمعها شيء سوى قلب إنسان يتحرك مع الأحداث.. قد تكون مشاكل البيت أثرت عليه فقام بإخراجها ، قد تكون تحديات العمل زادت عليه فقام بإخراجها ، قد تكون مصاعب الحياة اليومية كثُرت عليه فلم يستطع تحملها.. وقد تكون قائمة طويلة جدا.. لكنها ستظل سببا في تقلب ردود أفعال البشر بين جليد ونار.. وسنراها كثيرا في كل موقف قاتم وموقف رائع.. مع تذكر أن الكثير من كلام البشر وغضبهم وفرحهم إنما هو فقط تفاعل مع كل حدث وسينسون سريعا كل ما قالوه ، وقليل حقا من يقول شيئا ليفعله وأولئك هم من يقودون التغيير..
القراءة المنوعة ، تطبيق ما تقرأه ، تجارب الحياة ، تقويم نفسك وإصلاحها ، من بين أهم الأمور التي ينبغي فعلها لتقويم شخصية لا تذوب مع كل حدث.. وفوق كل ذلك إيمان بأن الله لم يُعطنا هذه القدرات والطاقات العظيمة لنكون تبعا في أفكارنا لكل من يريد..

إن محصلة القول هي أن شخصية المسلم ليست متقلبة مترددة تابعة وذائبة في الآخر تحكمها عواطفها ويتقلب مزاجها في كل موقف ، بل هي شخصية مستقلة متوازنة في مشاعرها وتعاطيها مع كل حدث وموقف.. شخصية جاءت لتكون واعية في كل ما يحصل حولها.. شخصية تدرك أنها قائدة لنفسها ...

الثلاثاء
1 ربيع الآخر 1434 ه
12-2-2013 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق