الحلقة الثانية !!
( في القرن السابع عشر كانت خدمة الملك أكثر ، من القدرات المكتسبة خلال المسيرة المهنية، هي التي تؤخذ بعين الاعتبار للحصول على منصب المحقق. فهل ينبغي لنا أن نستغرب ذلك؟ المحكمة المقدسة هي قبل شيء مؤسسة دولة ) ص152.. نقطة مهمة في توضيح أن الإصلاح يبدأ في النظر للمشكلة بصورة أكبر ، فالخطأ لم يكن ديني فقط أو سياسي ، بل مزيج منهما ، تعاون كل طرف لصالح الآخر ( وليس من المستغرب أن نرى الملك أو ليباريس يقترحان تعيين محقق أو آخر لأسباب لا علاقة لها أبدا بالدفاع عن العقيدة ) ص 153 .. ( ليس الأشخاص ، وإنما المؤسسة هي التي كانت مثيرة للرهبة )ص153. وما أكثر المؤسسات التي تثير الرهبة في محيطنا العربي ! تطورت محاكم التفتيش لتصل لجهاز أشبه بالاستخبارات وأجهزة الأمن ، وأصبحت لديها طائفة معينة تدعى ب(بالأقارب ) وهي تمثل مهمة مراقبة الناس ونقل أخبارهم ، وتراوح عددهم بين 10 آلاف و25 ألفا في منتصف القرن 17.
( في القرن السابع عشر كانت خدمة الملك أكثر ، من القدرات المكتسبة خلال المسيرة المهنية، هي التي تؤخذ بعين الاعتبار للحصول على منصب المحقق. فهل ينبغي لنا أن نستغرب ذلك؟ المحكمة المقدسة هي قبل شيء مؤسسة دولة ) ص152.. نقطة مهمة في توضيح أن الإصلاح يبدأ في النظر للمشكلة بصورة أكبر ، فالخطأ لم يكن ديني فقط أو سياسي ، بل مزيج منهما ، تعاون كل طرف لصالح الآخر ( وليس من المستغرب أن نرى الملك أو ليباريس يقترحان تعيين محقق أو آخر لأسباب لا علاقة لها أبدا بالدفاع عن العقيدة ) ص 153 .. ( ليس الأشخاص ، وإنما المؤسسة هي التي كانت مثيرة للرهبة )ص153. وما أكثر المؤسسات التي تثير الرهبة في محيطنا العربي ! تطورت محاكم التفتيش لتصل لجهاز أشبه بالاستخبارات وأجهزة الأمن ، وأصبحت لديها طائفة معينة تدعى ب(بالأقارب ) وهي تمثل مهمة مراقبة الناس ونقل أخبارهم ، وتراوح عددهم بين 10 آلاف و25 ألفا في منتصف القرن 17.
إن الفارق بين ما قرأته سابقا وقرأته في هذا
الكتاب هي لغة الطرح والأسلوب ، فالكتاب لا يهتم بكثرة القصص التي تروى عن
المحاكم، لكنه يُفصل مرحلة زمنية أدت إلى إنشاء المحاكم وأسبابها وفعاليتها
والصراع الدائر في مرحلة مهمة من تاريخ أوروبا ، ربما لا يروي الكتاب الكثير من
فضائع محاكم التفتيش لأنه يتكلم عن بلد واحد فقط وهي إسبانيا ، ومحاكم التفتيش
كانت منتشرة في أكثر من بلد أوروبي . يتعرض الكاتب لشخصية المحققين العامين في
المحاكم والمدهش أن الكثير منهم درسوا في جامعات وتلقوا تعليم رفيع! تلك مسألة
ينبغي وضع تحتها آلاف الخطوط!
( وأكثر من الإرادة البشرية أو تعاقب الأجيال
، قوة الاحداث هي التي ستعكس التغيرات الطارئة في ذلك الوقت ) ص 140
امتيازات كبيرة مُنحت لجميع موظفي محاكم
التفتيش من كبيرهم إلى صغيرهم، كانوا فوق حكم القانون، جرائمهم مهما كُبرت لم
يكونوا يعاقبوا عليها إلا بتوبيخ بسيط وكل ذلك بتوجيه من الملوك والكنيسة. (هذه
الإعفاءات والامتيازات والتفضيلات هي التي جعلت من محاكم التفتيش مؤسسة مهابة، ذات
سلطة مطلقة، وقادرة على الوقوف في وجه أكبر هيئات الدولة إلى نهاية وجودها) ص164.
هكذا نصنع في كل عصر بشر فوق القانون لا يجب أن يدور حولهم النقد فأفعالهم صحيحة
دوما! هكذا نصنع مؤسسات في كل دولة في عصرنا تكون شبحا مخيفا لأنها لا يشملها أي قانون،
فهي من تصنع القانون! وعندما تناقصت تلك الميزات عن محاكم التفتيش مضت تدريجيا في
طريق الاختفاء بعد أن ذهبت هيبتها، لكنها أخذت قرونا من الزمن.
ص -181-180 (فهو يصف بكل دقة آراء وممارسات هرطقية،
بحيث، وللمفارقة، كان يصلح لنشر الهرطقة بين المؤمنين الذين لم يكن لهم أدنى إلمام
بها. فأبناء الجيل الثاني أو الثالث، الذين حُرموا من أي تعليم من شريعة موسى،
كانوا يتعلمون الطقوس اليهودية – الصلاة، الصيام، إلخ. - باستماعهم إلى تقرير المحققين)
يصف الكاتب الأثر السلبي الذي رافق صدور مرسوم الإيمان وهو الذي كان يُتلى على
الناس ليعرفهم بأفعال المهرطقين وكيفية كشفهم!! أعتقد أن بعض الأفكار السابقة في
عصرنا لو تم تجاهلها لم يُكن يُكتب لها أي انتشار كبير ، لكن قاعدة البشر أنهم
يسعون لمعرفة لما تُحارب أفكار معينة وما سبب منعها، وتلك دعاية قوية لها!
إن المضحك في الأمر أن العديد من البشر في
تلك المرحلة استغلوا محاكم التفتيش للإبلاغ عن آخرين، لم تكن مشاكلهم دينية، بل شخصية!
وكان يتشارك فيها نخبة المجتمع وعامة الشعب، ولأن قاعدة المحاكم هي أن الشك كاف،
فقد كانت مصيبة كبيرة لمن يُشكى به! لكنهم كانوا حذرين مع النخب الكبيرة! (كانت
إحدى الوسائل الجيدة للخلاص من خصم ما، هي الوشاية به لمحاكم التفتيش )ص182
(كان المحققون مدركين لما يفعلونه عندما
كانوا يحيطون أنفسهم بالسرية المطلقة وببعض الغموض. كانت تلك طريقة لفرض احترام
وهيبة الديوان المقدس، وتعزيز طابعه القدسي) ص 187، تلك أفعال تُذكرنا بما تصنعه
بعض الحكومات إلى يومنا!! يميل الكاتب كثيرا إلى التقليل من شأن القصص المتداولة
حول محاكم التفتيش، فتراه يؤكد على وجود عدد أقل من المنشور في الكتب عن حالات
الإعدام والحرق، أما التعذيب فيجعله نادرا مع إشارات تبين أن المحاكم لم تكن على
مثل ما يعتقد الناس، وعند إحصائه بالأرقام لعدد القضايا وعمليات الإعدام والحرق
والتعذيب يذهب الكاتب إلى ذكر أعداد ليست كثيرة، ويقول بأن معظم الكتب هولت من حجم
ضحايا المحاكم، لكنه يؤكد أن هذا يتعلق بمحاكم إسبانيا فقط، فمحاكم الدول المجاورة
كانت أشد قسوة ودموية. لعلي أميل إلى قوله لسببين: الأول: هو ان حقد البعض على ما
فعلته المحاكم يجعلها تظهر بصور أكثر شناعة، والثاني: هو عدم التحقق العلمي في
البحث والتقصي في نقل الأخبار. وكم تعرضت أخبار كثير من الأمم لهذا الأمر، من
مسلمين وغيرهم. فالمنتصر يصوغ تاريخا آخر. وينبغي على الباحث الصادق النظر في
مصادر موثقة لرؤية تُضاد تلك الرؤية الأولى، لكي نتثبت أن التحريف حقا حصل، ذلك إن
لم تطمس جميع الآثار الدالة عليها!! إنما أقول ذلك لأن تاريخنا العماني والمذهبي
بنفسه زوره من خالفنا في الرأي ولم يُكلف نفسه عناء في النظر مصادرنا الخاصة
ومراجعنا وكتب تاريخنا وخلاصة فكرنا، فصاغ ونشر تاريخا مزيفا أتعجب منه بل لم
يُكلفوا أنفسهم عناء في عصرنا الحاضر في سؤال المختصين منا! فصرتُ موقنا أن البحث
يجب أن ينطلق أولا من مصادر من تتكلم عنهم. ولا تعجب من تحامل البعض عليك، فنحن
نراه بأعيننا في عصرنا الحاضر.
212 (لم تكن العقلية السائدة في ذلك العصر
لتستوعب كيف أن شخصا يستطيع أن يرفض الاعتراف بحقيقة الإيمان. بعد إحاطته جيدا
بالمصاعب الأساسية التي سيتعرض لها، لم يكن من الممكن رفض المغفرة إلا باضطراب
عقلي أو نقص في الذكاء أو الضلال) في معرض حديث الكاتب عن المحرقة وطقوسها، وصولا
إلى تنفيذ الإعدام والحرق، وكيف أن الكثير يرفض التراجع عن أقواله أو الاعتراف
بالتهم المنسوبة له وذلك سبب دهشة كبيرة للناس في تلك العصور. مع ملاحظة أن تلك
العقلية كانت تشمل تلك الدول، فالمسلمون من بداية انطلاق الإسلام لم يتراجعوا عن
عقيدتهم وإسلامهم تحت أي ظرف والقاعدة هي لا إكراه في الدين. فالعجيب هنا حقا هو
مقدار تلك العقلية التي كانت لدى معظم البشر في تلك الدول مقارنة بالمسلمين، وكيف
انقلبت الآية بيننا فصرنا نتبادل الأدوار معهم أحيانا!
نقل الكاتب عن جوزيف أولمو سنة 1680م عبارة
طويلة في ص 213 كانت تُظهر أن البعض يعتقد أنه يفعل الخير حتى وإن أراق دم البشر
وأنه على الحق المطلق. كم ستتوقف أمام عصرنا لترى في الشرق والغرب، بعض من
المسلمين والنصارى واليهود وغيرهم يتشاركون نفس هذه الفكرة!! وأهم تساؤل هنا سيكون
ما هو سبب ذلك الاعتقاد الذي يصور لك أن سفك دماء البشر هو تقرب إلى الله؟؟ وهل
تغير شيء من زمن تلك العصور إلى اليوم؟؟!! ما زالت الدماء تُسفك في يومنا باسم
الدين والعقيدة يتشارك في السفك بعض من أتباع الإسلام واليهود والنصارى، وسيبقى
أنهم يمثلون عقولهم القاصرة الضيقة الفهم وليس شرائعهم ودينهم.
221(هذه السمات هي التي تجعل أي مقارنة مع
بلدان أخرى غير مقنعة. هنا وهناك، كانت تنشب نيران التعصب مخلفة آلاف الضحايا،
تسبقها أو تعقبها فترات سلام طويلة نسبيا) في مجملها عبارة مهمة وقد تتفق في
إطارها العام الذي يجعل من إسقاط حال دولة كاملة على أخرى أمرا غير مقبول. لكن تظل
هنالك أمور من الممكن بل جيد أن تكون مقارنة فيها مع دول أخرى، خاصة إن تعلق هذا
بمدى تقدم العلوم والبنية التحتية وإطار الحرية المتاح للفرد.
234(نرى إذا أن صياغة الفهرس تستجيب لهموم
تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد الدفاع عن العقيدة والأعراف الحميدة، فالأمر يتعلق
أيضا بتجنيب الإسبان تضييع وقتهم بقراءة كتب خيالية. وهي وجهة نظر لا تبتعد كثيرا
عن تلك التي يُدافع عنها الإنسانيون أعداء الأدب الترفيهي) الحديث هنا عن فهرس كان
يتم تحديثه، يحوي الكتب الممنوع قراءتها وطباعتها. هي وصاية على البشر فيما يجب
عليهم قراءته. وذاك سبب آخر لبعد أوروبا عن الكنيسة، فالوصاية على العقول أمر
ينافي روح الأديان السمحة التي أمرت العقول بالانطلاق في الكون والتأمل والفكر. والقراءة
سبيل لذلك. فهل سيعي بعض من يُبادر بالمنع في عصرنا؟؟؟ يوجد من يُمارس نفس الوصاية
إلى اليوم!!
237(لقد كان لسياسة محاكم التفتيش عواقب
وخيمة، فبتحذير المؤمنين من بعض القراءات الخطيرة بالنهاية زرعت في اذهانهم الريبة
من القراءة بشكل عام) وذاك يحصل لدى الكثير ممن يتبع كل سلطة حاكمة بدون تفكير في
كل أمر فيعتبر كل أمر منها هو الخير المطلق وحولنا في كل مجتمع من يفعل هذا بلا
تفكير. لكن القاعدة وقد أشار إليها الكاتب في موضع آخر هي أن منع بعض الكتب إنما
يُساهم في انتشارها أكثر. فطبع البشر الفضول لمعرفة لما مُنع ذاك الشيء. لكنها
ليست قاعدة ثابتة دوما. فهناك من يدفعه فضوله للبحث وآخر يمنعه خوفه من فعل أي شيء
سوى التسليم.
في فصل مهم من الكتاب يتطرق الكاتب إلى تساؤل
مهم: هل المحاكم والكنيسة كانت سببا في تأخر العلوم الطبيعية؟ على ما يبدو فإن
النظرات تختلف، والكاتب يبين أن المحاكم والكنيسة كانت سببا من الأسباب لكنها لم
تكن السبب الوحيد، وتطرق إلى ذكر عدة أسباب أدت إلى تقدم العلوم في أوروبا
الشمالية مقارنة بإسبانيا وما حولها (ولذلك فإن تأخر إسبانيا يرجع إلى إهمال
البحوث الاساسية، لصالح البحوث التطبيقية تقريبا بشكل حصري، ولم يكن لمحاكم
التفتيش في هذه الإطار سوى مسؤولية محدودة) 240. وبناء على الكاتب فإن الكتب
الممنوعة لم ترتبط دائما بالدين، بل كانت لها أسباب سياسية واجتماعية وذاك حاصل في
عصرنا الحاضر هذا. (ولعل الرقابة التي مارستها محاكم التفتيش، كانت لها عواقب
وخيمة على الروحانية الإسبانية أكثر منها على الأدب)241، ( لا يُمكننا أن ننكر أن
الفترة الأكثر حدة ، والتي عرفت بلادنا خلالها التعصب والاستبداد ، هي أيضا نفس الفترة التي بلغ فيها الأدب أعلى
مستوى من الازدهار )241 نقلها الكاتب عن مانويل دي لاريا والذي كان خصما شرسا
لمحاكم التفتيش في عصره. ( تعمدت محاكم التفتيش تثبيط المفكرين عن إنجاز أعمال
نقدية وأرغمتهم إن صح القول على أن يكرسوا عملهم خالصا للمواضيع الجمالية)242. (
كانت النزعة الإنسانية ، أكثر من العلم ومن الأدب بكثير ، هدفا لاشتباه وعداء
المحققين ،بما أنها كانت تسعى بجهودها إلى إخضاع النصوص القديمة للنقد الصارم )244
...، إن النقد يعني إظهار أخطاء في أمور جعلها أصحابها هي الصواب المطلق ولا يجوز
الشك فيها، إن ذلك يعني هدم منظومة متكاملة من الطاعة العمياء المطلقة لمؤسسة
قائمة عليه. وفي النهاية نهاية تلك المنظومة، ولعل ذلك هو سبب حرب المحاكم
والكنيسة الكبرى على هذه الفئة من أهل النقد أكبر منها على العلوم والأدب، كانوا
يعلمون بضررها ونتيجتها نراها اليوم، لعل من الصواب حقا في أمتنا المسلمة اليوم أن
يكون تراثنا الفكري والعلمي قابل للنقد والتطوير وفوق ذلك أن تكون الدول نفسها
أيضا عرضة للنقد. (إنه أمر خطير .هذه هي
المسالة :إن الفكر الإنساني مشبوه، وروح النقد تقود إلى الهرطقة) 247. وأمة تخاف
من نقد ما لديها ستظل تدور حول نفسها، ولن تستطيع إنتاج إبداع يُساهم في إثراء
حضارة البشر، وروح النقد تثير حساسية وحربا فكرية بين حراس جيل قديم يُصر على
الأخذ بما قال الأقدمون بحذافيره وكأنه شيء مطلق، وبين جيل جديد يُصر على تنقيح
ذلك التراث لأخذ الجيد منه فقط ، وبين جيل أحدث يرى أن الخير في ترك الماضي كله!!
ووقفة لا بد منها فدولنا العربية والمسلمة بأكملها ليست دينية حتى من تدعي أنها
تطبق الشريعة! بل كثير منها حاربت الدين سنين طويلة تنفيذا لرغبة الغرب ، فهل
تقدمنا لأننا حاربنا الدين ؟ من التناقض حقا أن نقول أن الدين هو سبب تأخرنا ونحن
نعلم أننا من مئات السنين جعلناه في ركن بعيد عن حياتنا!
ربما كان هذا الفصل هو الأهم عندي، فهو
يُعالج مسألة شائكة إلى عصرنا الحاضر، عن علاقة الدين بالعلم والأدب والفكر .إن
الكاتب كان متوازنا بعض الشيء في هذا الفصل، فهو لم يُحمل الكنيسة والمحاكم كل ذنب
تأخر العلوم، لكنه أيضا لم يبرأها مما فعلته نحو العلوم فدورها كان كبيرا، ويربط
كل تلك المرحلة بما فيها من منع للكتب ومحاكمة بالحالة السياسية والاجتماعية
والدينية والتي كانت تتكامل أحيانا في حرب المعرفة، وأتفق معه بأنه لدراسة حالة
معينة لابد من النظر لجميع تلك العوامل، فمن الصعب فصلها عن بعض وتأثيرها يتداخل
لتكوين مرحلة ما. وهنا ربما من الإجحاف بحق الإسلام أن نقارنه بما فعلته الكنيسة
وملوك تلك الفترة ونضع دين الإسلام مشابه لهم بسبب أخطائهم، فقبل أن تفعل الكنيسة
تلك الأمور وقبل قيام محاكم التفتيش كانت هناك حضارة قائمة على تقدير العلم
واحترام الطرف الآخر وإن كانت عليها ملاحظات ولها عيوب. أعتقد وأكرر أن الخطأ الذي
يقع فيه البعض هو حالة الإسقاط العمياء الكاملة فيُشبه دور الكنيسة الفظيع
بالإسلام. إن أردنا التجديد فعلينا التعمق في فشل أمة الإسلام نفسه، فمن العجيب أنك
تريد تطورا ثم تدرس حالة غيرك وتنسى دراسة حالة أمتك!! ففي العصور الكبرى لم يكن
الإسلام عائقا للتطور فكيف أصبح الآن؟؟ تلك نظرة قاصرة من البعض. لا أنكر مساوئ
كثير ممن ينتسب للعلم الشرعي فهم قد أفسدوا وضيعوا وكذلك كثير ممن تولوا سلطة
الحكم على مدار القرون الماضية. لذاك أعتقد أن دراسة مشابهة لهذا الكتاب تخوض في
حال أمتنا وتعقد دراسة نقدية تبين مكامن الخطأ هو الصواب لنقد تراثنا. ولذلك فهذا
الفصل لا يُصدر أحكاما بقدر ما يطرح تساؤلات مهمة عن المتسبب فيما حصل. وعندما
تطرح سؤالا كبيرا كهذا: لماذا أمة الإسلام هكذا؟ من السبب؟ وكيف يكون التجديد؟
ستجد في كتب المصلحين في بلاد الإسلام والعرب من بداية القرن الماضي إلى اليوم
الكثير من تحليل تلك الأسباب، وما أكثر اختلاف رؤية كل طرف وتناقضها أحيانا وكيل
التهم أحيانا أخرى، لكن الرائع فيها أنها جميعا تبحث عن حل لحالة الأمة وإن تباينت
الطرق. تلك طريق شاقة، ولابد من السير فيها.
آخر فصول الكتاب تحدث عن علاقة محاكم التفتيش
بالسلطة الحاكمة والسياسة، ( في ظل النظام القديم بأوروبا، لم يكن من السهل التصور
بأن يكون رعايا أمير ما لا يعتقدون جميعهم بنفس الديانة) ص 249.( هناك أمر كان
مسلما به في تلك الفترة، وهو أن وحدة العقيدة ضرورية لتماسك الدولة، ولتحقيق السلم
الاجتماعي، فبالنسبة للملوك، لم يكن المهرطق سوى متمرد محتمل )249. هل نرى بعضها
في فكر بعض الأوطان في عصرنا؟؟ تلك رابطة قوية لدين لا يقبل سوى فكر واحد!! ( لم
يكن بوسع الرعايا أن يعتنفوا دينا غير دين ملكهم ) 250. إن المنصف ليعجب كيف أن
الأندلس – وإن كنت لا أراها نموذجا شمل سماحة الإسلام كله -والتي كانت قبل هؤلاء
في نفس المكان! سمحت لأديان مختلفة بالعيش تحت ظلها، بينما هم فعلوا العكس، ليست
المشكلة كلها في الأديان، إنما في من يستغله لمصالحه ويحرفه عن مقصده. إن الخلل
يحصل عندما تجتمع سياسة متسلطة ودين محرف لتنتج مصائب على من يتولون أمرهم.
(لمدة عصور، اعُتبرت السلطة الآنية مجبرة على
دعم الكنيسة، لكن هذه السلطة نفسها لم تتردد في استخدام الدين لصالحها ) ص 252. وقفة
على علاقة المحاكم بالسلطة السياسية في تلك العصور ، وكيف أن كل منهما كل في خدمة
الآخر ، لعلها نقطة لا تحتاج لتوضيح ، فمازال بعض الحكام يعتبرون أنفسهم خلفاء
الله في أرضه ، ويستعملون الدين لتثبيت أركان حكمهم. المهم في هذا الفصل هو تركيزه
على استعانة النخبة السياسية الحاكمة بأحداث عرضية لإشغال الرأي العام، وجعل
تفكيره منصبا عليه، وأحيانا لشحن قلوبهم وتفجير غضبهم نحو تلك الأمور. كل ذلك على
حساب نسيان الشعب لنفسه وحقيقة مطالبه!! وما أكثر القضايا التافهة التي نرى بعض
الشعوب منشغلة بها! وتعجب لما هذا! لكنك ستدرك السبب. إنهم يريدون صرف أنظار الشعب
عن مساوئ تلك النخب.
(تتلخص خاصية البلدان المسيحية في ثلاث
كلمات: (( عقيدة واحدة، قانون واحد ، ملك واحد )) ) ص253. ( وبعد فرديناند، استغل
جميع الملوك محاكم التفتيش لأغراض سياسية ) ص 254.( كان موقف وزراء عصر الأنوار من
محكمة التفتيش ملتبسا. فهم لا يحبونها، ولكنهم يعتقدون، مع ذلك، بأنها تستطيع أن
تخدمهم )ص 169. يبدو أن طباع البشر تتشابه في كل عصر وقابلة للقياس!!
( لكن النجاح، والحماية الكبرى الذين كان
يحظى بهما، جعلاه يتصرف ببعض الطيش.)ص170.ذكر الكاتب قصة رجل يُدعى أولابيدي جعله
نجاحه الكبير وحماية بعض الشخصيات الكبيرة له متهورا في بعض آرائه فقام بالسخرية
من الكنيسة وتعاليمها أمام الناس وانتهى به المطاف في محاكم التفتيش !. في مجملها
هي صراع بين كنيسة وإصلاح لكن إشارة الكاتب هنا لهذه القصة هي أن بعض الأمور تحتاج
لحكمة وتروي ، حتى لا تنتهي مسيرة عمل إصلاحية كبيرة . ولنا في رسول الله صلى الله
عليه وسلم أسوة حسنة في التروي والصبر والتخطيط في طريق الإصلاح .
( وأمام عجزهم عن النيل من الوزراء ، الذين
كانوا يتمتعون بمكانة مرموقة، اختار المحققون، الذين كانت تقلقهم التيارات
الجديدة، إعطاء العبرة بمهاجمة موظف من الدرجة الثانية ) ص270.
يتبع.......
يتبع.......
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق