الحلقة الثالثة !
في القرن الثامن عشر ظهر تباين كبير بين قمة الديوان المقدس وقاعه ، فالقمة كانت لا تٌمانع في الانفتاح الإصلاحي وذكر الكاتب قصصا عن حوادث تبين أن بعضهم كانوا كذلك، وبين من يمثلون قاع الديوان المقدس والذين كانوا على نقيض منهم . وحقيقة الأمر نرى هذا أحيانا، فانت ترى عالما كبير منفتح على الآخر بكل طوائفه ويسعى جاهد للم شمل الأمة ولكن من يتبعون آرائه ويحترمون علمه يناقضونه في إقصاء كل من يخالفه!! وهنا ينبغي التفريق بين أفعال العالم نفسه وأقواله التي تمثله، وبين أفعال الآخرين.
في القرن الثامن عشر ظهر تباين كبير بين قمة الديوان المقدس وقاعه ، فالقمة كانت لا تٌمانع في الانفتاح الإصلاحي وذكر الكاتب قصصا عن حوادث تبين أن بعضهم كانوا كذلك، وبين من يمثلون قاع الديوان المقدس والذين كانوا على نقيض منهم . وحقيقة الأمر نرى هذا أحيانا، فانت ترى عالما كبير منفتح على الآخر بكل طوائفه ويسعى جاهد للم شمل الأمة ولكن من يتبعون آرائه ويحترمون علمه يناقضونه في إقصاء كل من يخالفه!! وهنا ينبغي التفريق بين أفعال العالم نفسه وأقواله التي تمثله، وبين أفعال الآخرين.
( الخلط بين ما هو آني ، وما هو روحاني يحمل
في طياته بذرة أحد أخطر مغريات العصر الحديث : النزوع إلى تحويل الإيديولوجيا إلى
مكمل ضروري للسياسة ) ص 275. ختام ومقارنة عقدها بين النظام الشيوعي والنازي
والكنسي وكل نظام يرى أن الوطنية الكاملة لا تكفي بأن تكون مواطنا شريفا منتجا ،
بل يجب أن تؤمن بمبادئ النظام الحاكم وتصوراته حتى النخاع لكي تصبح حقا مواطنا كاملا . وهي تمثل كل نظرة
إقصاء للآخر وللفكر وللعقل يمكن تصورها! فأنت يجب أن تكون تابعا مقلدا حتى
النهاية.
لم تشدني موضوع محاكم التفتيش بقدر ما شدتني تلك
المرحلة الإصلاحية في تاريخ أوروبا والصراع الكنسي مع باقي الإصلاحيين، مرحلة يحصل
الخلط أحيانا والمزج فيها بين واقعنا المسلم العربي اليوم وواقع أوروبا في ذلك العصر،
ويحصل إسقاط كامل بدون تمحيص ووعي، نحن نريد إصلاحا وقد نتشابه في بعض الأمور ،
لكننا نختلف في تباين كبير في جوانب أخرى. وبداية جوانب الإصلاح هي إدراك أن نقل
كل شيء بدون تمحيص لشخصية مجتمعنا وما يعانيه إنما هو إرجاع بالأمة للوراء . حقيقة
لا أعتقد أن عاقل يؤمن أن الغرب نقل شخصية المسلمين والعرب عندما استعان بعلومهم المتفوقة
في تلك العصور من أجل الإصلاح، إنما أخذ ما ناسبه، وترك الكثير لنا خاصة عاداتنا
وديننا وثقافتنا، ولم يعتبر أن كون تأخرهم هو عيب يجعلهم ينسلخون من حقيقة من هم.
ذاك درس كبير جدا نتعلمه منهم. من الجهل حقا أن نلغي من نحن لنكون مثلهم لأننا
معجبون بهم. بل علينا أن نكون نحن والأخذ من كل تجربة ناجحة منهم في كل مجال. ونترك
الباقي لهم. وما العيب في ان نتعلم منهم ونحتفظ بهويتنا وإسلامنا وشخصيتنا
وثقافتنا ؟؟
إن الكتاب يمثل جانب واحدا من محاكم التفتيش
وهو الإسباني ، بدأت المحاكم في الدول الأخرى قبله ، وكان هناك فرق بينها وبين
محاكم التفتيش الأخرى التي كانت أشد عنفا وقسوة. لكن الكتاب في مجمله يُعطي صورة
أخرى. يستحق القراءة والمتابعة. وهو درس في أن الشعوب يجب النظرة لتاريخها أحيانا
بشيء منفصل عن الآخر لنفهم رحلة صعودها وسقوطها. فعندما سقطت الأندلس كانت الدولة
العثمانية في أوج قوتها ، وقامت في وطننا عمان بعد عام 1600 حضارة كبيرة في زمن
دولة اليعاربة والبوسعيدييين من بعدها امتدت لتشمل شواطئ المحيط الهندي في آسيا
وشرق أفريقيا وكان لها أسطول بحري كبير طرد الأساطيل الأوروبية وذلك أمر أعتب فيه
على كثير من الناقدين والباحثين العرب الذين يتكلمون عن تلك المرحلة بانها مرحلة
انحدار للإسلام والعرب ، رغم أنه قامت حضارات كبيرة في مواطن اخرى ومن بينها عُمان.
ولذلك فتاريخ الدول أحيانا يحتاج لدراسة خاصة تشمل تاريخها الخاص ، ولن استطيع إلقاء
اللوم كاملا عليهم فنحن أنفسنا كعمانيين لم نقم بنشر ذلك التاريخ والحضارة والفكر
بما يناسب مكانته، ولم تظهر دراسة علمية نقدية شاملة تحوي ذاك التاريخ من بداية
عصور الإسلام الأولى وحتى قبل ذلك.
في 27 سبتمبر 1480م كانت بداية محاكم التفتيش
في إسبانيا بموافقة من بابا الكنيسة وجاء معه ما يُسمى بالديوان المقدس وقد جاءت متأخرة عن محاكم الدول المجاورة ولم
تنتهي إلا عام 1834 م ، بعد قراءة لسلسة تاريخ دموي يفرض على البشر رأيا واحد
ويُمسك بيده مفاتيح الجنة والنار على حسب زعمه وينشر تعاليم الرب الرحيمة بسفك
دماء مخالفيه ويُحارب كل نظرة نحو العلم ، يقود إلى نتيجة نراها الآن حقيقة في
أوروبا . وهل نستطيع لومهم على ذلك؟؟! من الغباء لوم بشر عاشوا تحت تصور هكذا
شأنه. لكن نستطيع لوم أهل الشرق ممن عاشوا حياة مختلفة. فالعديد من أبناء الإسلام
يُرددون عن مساوئ الدين وأثره في قتل كل تطور وإبداع ويُردون ذلك إلى تصور كان
واقعا في أوروبا .ولم يُكلفوا أنفسهم عناء ليبحثواعن حال الأندلس المسلمة في نفس
تلك الفترة وكيف كان انفتاح شعب الإسلام وتقدمه .أعلم يقينا أنه حتى في تلك الفترة
فقد كان للمسلمين عيوبا كثيرة. لكن من غمط الحق وقلة البحث وعدم المصداقية عندما
نربط حالة وسط عاش تحت حالة معينة ونعممها على بقية شعوب الأرض. لقد كان الكاتب
واقعيا عندما وصف الفرق بين حضارة الإسلام في الأندلس وجيرانها. وكيف كانوا ينظرون
لها بإعجاب وتقدير. وبين أنهم كانوا يسعون لتعلم اللغة العربية لينالوا حظا من التعليم
والمعرفة .حقا أكره العيش في تاريخ لن يعود أو تذكر الماضي. لكن تلك رسالة عارضة لنبين
أن كل أمة فيها خير كثير إن أرادت ذلك بالإضافة إلى عدم الانجراف سريعا بمجرد
قراءة كتاب أو الدهشة من حضارة هي قائمة الآن. هي رسالة لقراءة واسعة لا تبني
أحكاما سريعة. فالبعض يقول بأن علينا أن نستعمل عقولنا في الحكم على كل حدث ولا
نجعل الدين عائقا أو رأي شخص، وهم يقعون سريعا بعد أن يأخذوا أحكاما مُسبقة أصدرها
كثيرون. أحترم وأقدر حضارة الغرب الكبيرة فلهم فضل كبير على عالم اليوم، لكنني
أريد النافع من علومهم وتقدمهم، والباقي سأتركه لهم.
( التاريخ الوجيز لمحاكم التفتيش في إسبانيا
) ل جوزيف بيريز أستاذ في جامعة بوردو الفرنسية. هذا هو الكتاب ، كتاب في مجمله جيد في عرض تاريخ
سريع لفترة مهمة من التاريخ ، قد لا يضيف الكثير لمن تعمق في قراءة تاريخ تلك
المرحلة لكنه يُضيف فائدة لا بأس بها لمن أراد لمحة سريعة. بعد قراءتي للكتاب يتضح
كم هو صعب لك ككاتب وقارئ أن تكون موضوعيا بنسبة مطلقة في مواضيع تطرحها هي مخالفة
لك، تأخذك أحيانا مشاعرك للدفاع لا إراديا. رائع أن تدرب عقلك على رؤية ما لدى الآخر،
وأن تصل لموضوعية في حكمك على ما تقرأ، ولذلك من الصعب جدا أن تقول إنك ستطرح هذا
الموضوع بموضوعية ولا تميل لطرف وأنك تهتم بالحقائق فقط، ففي النهاية رأيك نفسه
سيميل حتما لجانب، وما الكتابة إلا رأي يُمثل ما نؤمن به.
ونعم رأيت الفرق بين طرح شخص يمثل رؤية
المسلم في تلك الفترة وآخر يمثل اليهودي وثالث يمثل طرف إصلاحي وطرف يتحدث باسم
الكنيسة. إن كل فرد سيحاول التركيز على أنه الخاسر الأكبر في تلك المرحلة. ولا ريب
أن المسلمين خسروا حضارتهم ووجودهم بالكامل في تلك الفترة ولم تبق سوى آثارهم
وتبعهم اليهود أيضا بكل ما لديهم. لقد خسروا جميعا، لكننا لم نتعلم الدرس إلى
اليوم لأنهم هم أنفسهم السبب في خسارتهم، تفرقوا وحالفوا عدوهم على إخوانهم وقضوا
بأيديهم على حضارتهم!
لم أطرح سوى القليل من صفحات الكتاب وتركت الكثير،
هو ممتع لرؤية كم تتشابه نفوس البشر وطبائعهم ومواقفهم في كل عصر، في التاريخ عبرة
وحكمة، وجيد للمقارنة بين حضارة قامت على العلم ودول لا تعرف سوى العنف. وفي نهاية
صفحات الكتاب مراجع لمن أراد التوسع في تلك قراءة تلك المرحلة بالتفصيل.
ليس في الإسلام نقص أو عيب، بل في جوانبه كل
عظمة وراحة. إن أخطأت فئة في حياتنا الحاضرة في تفسيره والتضييق على البشر. فتلك
ليست حجة في تعميم أفعالهم على كل فرد. وإن تأخرنا وراء الأمم فذلك بسببنا نحن
لأننا لم نأخذ بأسباب الحياة. ولعل أعظم رسالة بدأ بها الإسلام هي اقرأ. فحريٌ بنا
القراءة والبحث. فما أضيق عقول لا تسبح في عوالم القراءة والمعرفة...
تلك مجرد عادتي في القراءة، مجرد خطوط أضعها
هنا وهناك، بدون ترتيب أو تنسيق لأرجع لها مستقبلا. ذاك ليس تحليل أو تلخيص. إنما
مجرد قراءة في كتاب.
وهذه روابط لتحميل الكتاب من رفع الأستاذ علي
مولا ، وقد انتفعت كثيرا من الكتب التي قام برفعها هو وفريقه الرائع ..
لعلي أطلت قليلا ، وربما ذهبت شرقا وغربا ، ولعلي خلطت بعض الأفكار فوق بعض، ودمجت بين الضدين أحيانا! .. فلم تكن في مخيلتي أن أصوغه مرتبا منسقا، لكن أن أكتب أفكارا سريعة دارت في عقلي ، فهي مجرد قراءة لا غير.. رغم أنها كانت رحلة قصيرة جدا مع كتاب
الأحد
2 رجب 1434 ه
12 مايو 2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق