الأحد، 16 يونيو 2013

وقفات بسيطة



المواقف غالبا بساطتها هي ما تُبقينا نتذكرها مرارا. وفي المواقف البسيطة في حياة البشر أمور بسيطة قد نتعلم منها وقد نبتسم لها، وفي كل يوم مواقف لا تنتهي. بعضها يظل في الذاكرة. وبعضها نكتبها لنعود لها مرة أخرى. لعلنا نبتسم قليلا.
..........................................................

ذهبت إلى مسقط وقد خططت لفعل العديد من الأمور. قبل الانطلاق زرت محل تنظيف السيارات فقال لي أنهم سيتأخرون لساعة كاملة بسبب زحمة العمل. فذهبت عنهم كي لا اتأخر. كان مؤشر الوقود يشير إلى ربع الخزان، فقلت في نفسي أنني سأملئه من مسقط. عندما وصلت إلى محطة الوقود لم أتمكن من الدخول إليها بسبب زحام السيارات عليها وهكذا وقفت عند محطة الوقود القريبة من مقصدي. بحثت عن المبالغ فلم أجدها! بحثت عن بطاقة البنك فلم أجدها أيضا!! موقف محرج. لعل جمال الأمر وتوفيق الله ولطفه أنني كنت قريبا من مقصدي وكان لدينا برنامج كبير في التسويق والغذاء الصحي. فاتصلت بأحد الأصحاب فجاءني مسرعا. عندما أفكر في الموضوع أجد أن كل شيء حصل لحكمة. فكل ذاك الزحام قادني إلى مكان أستطيع تدبر أمري فيه. ما أجمل حسن الظن بالله. مع تذكر أن العجلة شيء غير محمود ونتيجته قد تكون مؤلمة أحيانا ولابد للمرء من حسن التخطيط قبل السفر لمكان بعيد ولا يتكل لظروف قد تساعده، فالعاقل من أحسن تدبير شؤونه. لكن بعض الأمور تحدث فوق إرادة الإنسان. وتعلمت درسا أن أتفقد كل شيء قبل السفر بعيدا!!
من أجمل الأمور وجود أصدقاء في أماكن مختلفة يكونون عونا لك عند الحاجة. تزيد محبتك لهم وتعلم أنهم حقا أصدقاء خير
.................................................................

زارنا في مكتبنا لشراء بعض الأشياء. لم أكن منتبها أنني كنت منهمكا في العمل ولم أتفاعل معه كعادتي. قال لي: خيرا؟ لست كعادتك؟ أهنالك شيء؟ أين ابتسامتك المعتادة؟؟
تفاجأت في أول الأمر. ثم انتبهت لطريقة ردي له والتي لم يعتد عليها. يبدو أننا نهمل بعض التفاصيل الصغيرة في تعاملنا مع الآخرين. فينشغل بالهم ونحن لا نلقي بالا لذلك. راجعت عقلي مرارا وتذكرت كم موقف تصرفت فيه هكذا .

 ……………………………………………………………………………………………..

بعض البشر لهم طريقة تعامل جميلة في إيصال ما يريدون، بل تُعجب بطريقته التي يستخدمها. اعتدت على إيقاف سيارتي عند العودة للبيت في مكان رأيت معظم الجيران يستخدمونه كذلك لأجل سياراتهم. ظننت المكان ليس لأحد. وبعد مدة رأيت ملاحظة صغيرة لطيفة على زجاج السيارة الأمامي تُخبرني أن هذا المكان مملوك لأحد ويرجونا عدم إيقاف السيارات هناك، بدأت ب(لطفا) وانتهت ب (الشكر). سألت بعدها وتأكدت. احترمت ما فعل. فقد كان يراني وأنا أدخل واخرج من هناك ولم يقل شيئا. وحتى بعد ملاحظته لم يقل شيئا. بعضنا احترم رغبته، والآخرون ما زالوا كما هم !! لكنه لم يفعل شيئا. ذاك تصرف تحترم صاحبه رغما عنك.
.......................................

في زمن التسعين من القرن الماضي كانت الكهرباء تنقطع بشكل دوري معنا في شدة حرارة الصيف. وأصبحت الشموع رفيقا دائما في كل بيت. وفي وقت متأخر من الليل ونحن على سهر تحت ضوء الشموع بدأ أخي الكبير يحكي لنا عن قصة يأجوج ومأجوج. كانت خرافية في معظمها فقد وصفهم بأوصاف عجيبة ومخيفة لصغار في مثل عمرنا، ربما لم يحلو النوم في تلك الليلة. لكنه رسم خيالا كبيرا في داخلي عن هؤلاء القوم العجيبين بأوصافهم الغريبة، آذان طويلة وشعور طويلة مقززة، يأكلون كل شيء ولا يُبقون على حي ولا ميت. من بين ما أثارني هي كثرة القصص التي كان أخي يرويها لنا، فلم يكن غيره لديه تلك القصص المنوعة العجيبة في كل شيء. وهكذا بدأت أُقلب صفحات مكتبته وكتبه الكثيرة. وجدت كتابا يحكي عن تاريخ المغول والهون وغيرهم من تلك الشعوب التي تُنسب ليأجوج ومأجوج. كان كتابا تاريخيا مشوقا قرأته مرات عديدة، لم يكن يحوي تلك القصص التي حكاها أخي، فوجدتها بعد سنين عديدة في كتاب يحكي عن الأساطير المنسوجة حول الشعوب. لم يقل لنا إنها قصص حقيقية. إنما حكاها كقصص لنهاية ليل تجتمع فيه الأسرة. غرس فينا حب الفضول للبحث عن مصدر تلك الروايات. ولم يُخبرنا أننا سنجد الكتاب المنشود في نفس بيتنا!! وذاك أسلوب ما زال يتردد في عقلي. فقد علمنا أن الفضول في بعض الأمور الجميلة هي الدافع للبحث والتقصي.
.................................................

بعد صلاة الفجر أذهب أحيانا إلى مطعم شعبي صغير يديره رجل كبير في السن من نفس منطقتنا، يُعد طعاما شهيا كطعام البيت وله زبائن كثير. مرح ومبتسم. وفي مرة من المرات أخذت له الصحون بعد معركة صغيرة مع إفطار شهي. فقال لي: لم يكن هناك من داع لغسل الصحون !! ابتسمت ابتسامة المندهش من نفسه، فقد جعلت الصحون نظيفة ليس بسبب غسلي لهن !! بل بسبب بطني الجائعة التي قضت على جميع ما في الصحن. وهكذا اضطررت لغسل صحني في كل مرة اذهب إليه. يجب أن أراقب بطني في كل مكان أذهب إليه !!
..............................


بين الحين والآخر نصادف بشرا يخبروننا عن مآسيهم الكبيرة. ونصادف آخرون يكتبون عن خلو الحياة من الشرفاء أصحاب القلوب الطاهرة النقية. وبين كل قصة وأخرى فرق وفرق. مآسي طائفة من البشر هي مآسي حقيقة تستوجب وقفة الشخص معهم فهم من يجب إعطائهم الوقت والمال والجهد وكل مأساة لها جانب معين من المساعدة وذلك امتحان من الله وابتلاء، وكذلك اختبار لكل من أعطاه الله القدرة على المساعدة. أما آخرون فهم تعرضوا فعلا لمآسي في حياتهم وقد من الله عليهم بفضله وكرمه فأبعدهم عنها بعد جهد طويل لكن آثارها تبقى في عقولهم ويعممون كل شيء حصل معهم على كل أمر جميل في الحياة. أما البعض فهم مأساة بعينها، جعلوا من أنفسهم ضحايا لسبب أو بدونه، لا يرون الحياة إلا سوادا، وذاك ما تراه أعينهم وما سيجدونه فعلا، هم يبحثون عن تلك الظلمة في بني البشر، ومحال لمن أراد ظلمة الأفعال أن يجد نورها المضاد إلا إذا قرر بنفسه تغيير تلك الصورة العالقة في مخيلة عقله وذاك كله بتوفيق الله.
إن على كل بشري مساعدة الآخر بما يستطيع، ليست المساعدة مالا دائما. فهناك من هو بحاجة لكلمة طيبة تدفعه للعطاء. ومن يحتاج لكلمة حانية تخفف عنه. ومن يحتاج لنصيحة في طريقه في الحياة. وتلك جميعها تدخل في إطار حياة المسلم الذي يجب أن يكون نورا وخيرا لمن حوله. لكن عليك ألا تطيل الوقوف مع من لا يريد تغيير نفسه وفكره بعد أن تعطيهم ما لديك. فهناك آخرون ينتظرونك...

الإثنين
8 شعبان 1434 ه
17  يونيو 2013 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق