لقد تقدمت العلوم وتطورت الآلة! لكن شيئا في
هذه الأرض ظل كما هو تقريبا ولم يتغير إلا قليلا، إنها طباع هذا الإنسان. فأنت ترى
مجرد نسخة متطورة من زمن قديم تحمل نفس طباعها البشرية، وبدلا من سيف ورمح ومقلاع،
أصبح مسدس ودبابة وطائرة.
تصفحت موسوعة (قصة الحضارة) لمؤلفه ول وايرل ديورانت،
وهي موسوعة تقع في واحد وأربعين جزءا! ولم اقرأ منه سوى الجزء الأول والثاني،
ويبدو أن قراءته تأخذ جهدا، فكيف بتأليفه وجمعه !!
قبل البداية، نصيحتي لكل من يريد الإبحار في
عالم التاريخ الممتع، أن يبدأ بقراءة تاريخ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم
وسيرته العطرة من البداية إلى النهاية، فهويتنا المسلمة ممثلة في شخصه الكريم،
وواجبُ على كل مسلم أن يعرف سيرته ليعلم حقيقة هذا النبي العظيم. ثم سيرة الخلفاء
الراشدين عليهم رضوان الله ففيهم تمثلت صفات الحاكم العادل، ومن خلالهم انطلقت
مسيرة الإسلام التي تركها لهم رسول الله امانة، ومن خلال سيرتهم ستعلم لما الأمة
هكذا طوائف وفرق ومذاهب. وسيرة وطنك الذي أنت منه، فمهما يكن فأنت قطعة من أرض
وطنك، وعليك أن تصل نقاط حاضرك بماضيك. وبعدها تاريخ أمة مسلمة طويل عريض بأحداثه وتقلباته.
إن ذلك كله يقودك لتكوين صورة داخل خيالك، تنطلق منها عند كل قراءة وكل إطلاع، فما
ستجده في كتب غيرك، لن يروقك بعضه، وربما ستظن كتابه يحمل ضغينة في صدره عليك. فأن
تعلم الكثير عن حضارات الغرب والشرق القديمة والفلاسفة، ولا تعلم شيئا عن سيرة
نبيك وخلفائه أمر يدعو للحيرة في العقول، فكيف نبدأ بتاريخهم وننسى تاريخنا ومن نحن.
تحدث الجزء الأول والثاني من موسوعة قصة
الحضارة عن حضارات الشرق الأدنى، وهي منطقتنا التي نعيش فيها وما جاورها شرقا وغربا.
ولن ترى سوى حضارات تقوم وغيرها تسقط، وحروب تقوم بين ليلة وضحاها، لا هدف لها سوى
بسط سيطرة وطمع في مال وتجارة وشهوة ملك، ومجد زائل. أليس هذا الذي نعيشه
اليوم؟؟!!
رغم كل تقدم حضارتهم وفنونهم وأدبهم، رغم
عمارتهم العجيبة في زمن بعيد جدا، رغم كل ذلك. ظلوا بشرا يقتلون من لا ينتمي
لبلدهم أو جلدتهم أو حضارتهم لأتفه الأسباب. أليس هذا حاصل في عصرنا اليوم ؟؟
المثير في خيال من يتأمل كل تلك الحضارات في مصر أو بابل أو سومر أو أشور أو سوريا
أو فلسطين أو غيرها من الحضارات القديمة، أن تقدمهم في العلوم والأدب رافقه رقي في
التعامل بين أفراد الشعب نفسه لكن ليس دائما فعامة الشعب في العادة حالهم كحالنا
في العصر الحديث، أما بقية الشعوب فقتلهم لا يثير أي شفقة في قلبهم وكأننا نقرأ
بعض واقعنا الآن! لعله درس بأن تقدم العلوم ليس مقياسا لأخلاق الشعوب وإن كان
يهذبها ويرفع من قدرها. وكان كل شعب يظن أنه مركز الأرض وخير من غيره! وكم تتشابه الشعوب!
هو كتاب شيق ممتع، يأخذك لحضارات قامت بيننا،
يُخبرك عن بشر كانوا مثلنا، أدبهم، حياتهم، فنهم، وماذا قدموا للحضارة والبشرية من
أثر ظل بعدهم، يخبرك عن قصة الإنسان. نعم هناك العديد مما ذكره لا نتفق معه، وبعض
تفسيراته ذهبت بعيدا جدا في مخالفة ما نعتقد، لكنك لن تفتح عينيك على العالم إن
قرأت ما يعجبك فقط.
هو في جانبه رسالة لمن يظل واضعا كفيه على
رأسه يأسا من الحياة وقسوتها وحروبها ودمائها التي تسيل كل يوم، هو يخبرك أن ذلك
هو حال البشر منذ بدايتهم. لكنهم واصلوا الحياة ورحلوا، وتركوا بعدهم أثرا أخبرنا
عن حياتهم وسط كل تلك القسوة. وفي الكتاب ما يدهشك عن إرادة الحياة لدى البشر. فمن
رحم المصائب تعود حياتهم أقوى وأكبر. تلك حكمة الله
وفي جانبه رسالة أخرى وهي أن الحياة فيها
جمال واسع، فالمآسي حتما لا تدوم، وسيظهر نور يعيد سلاما تفتقده الأرض وتحن له الأرواح.
في ثنايا الكتاب تفصيل جميل عن تطور العلوم من حضارة إلى أخرى، عن كفاح البشر
لتغيير حياتهم من واقع إلى آخر، وارتقاء الأدب بكل ما فيه ومساهمة كل شعب وحضارة،
فليست الحياة حروب فقط!!. هذا هو الإنسان. عاشق للحياة
يقول الكاتب في مقدمة كتابه (-لو كنت أنتظر الكمال، لما فرغت من كتابي
إلى الأبد)، قالها بعد أن أخبره الكثير أن ما يسعى لفعله هو مجرد حلم من الأحلام،
لكنه مضى، وفي خلال 20 عاما كتب موسوعته التي جمع فيها تاريخ البشرية وإن كان فيه
بعض النقص! ما أقصر همتنا عندما نبدأ في هدف بعيد، ونتنازل عنه سريعا بعد أيام
معدودة أو شهور. وفي عبارته شيء أؤمن به، فمن كان لديه شيء ولو بسيط فليساهم به،
فالكمال غاية لا ندركها. حتى وإن سخر بعضهم مما لدينا أو بساطة ما نفعله، فهناك من
ينتظر منا ذلك الشيء البسيط.
ثم ينطلق في شرحه عن الحضارة والمدنية، وأنَ كل هدفه أن يعلم كيف تطور
الإنسان من همجية يعيش فيها إلى حضارات غيرت شكل الحياة. وكان الإنسان في تاريخه
الطويل دائم البحث عن صانع الكون وخالقه وذلك هو الملفت للنظر، فالدين كان ركن
الأساس في كل حضارة قامت. سيظل الفضول دافعا قويا نحو إنجاز الكثير. ولعلي سأكررها
هنا مرة أخرى. القليل من الفضول في مجال العلم والبحث جيد ورائع.
لا ريب أن من ستتذكره الحياة هم فئات قليلة من البشر، سيذكر التاريخ
قائد مجنون قتل الكثير ودمر حضارات فصار رمزا لجنون البشر، وسيذكر مصلح عظيم فعل
ما استطاع لنشر الفضيلة فصار رمزا للخير، سيذكر عالما سهر كل ليلة ليُخرج علما
وفنا وأدبا للبشر. وبقية البشر هم أرقام سجلتها كتب التاريخ. ولعل هذه بعض سيئات
تدوين التاريخ، فالإنسان العادي مجرد رقم معهم.
سيظل بعضنا يندب حظه وأنه جاء في عصر كئيب، ولو قرأ صاحبنا هذا قليل
من التاريخ، لعجب أي العصور هي أوفر حظا لو استخدمنا مقياسه. إن الله تعالى بسط
لنا الحياة بما فيها، ولم يكلفنا بما لا نستطيع، لكن الله تعالى جلت قدرته وتسامت
أسمائه أمرنا أن نعمر الأرض، نعمرها بالعلم والمعرفة والحياة، وتلك هي مهمتنا في الحياة،
وإن ساعدت البشر بقولك الطيب فقط في كل يوم فأنت تعمر الأرض بالمتاح من قدرك. وقد
تؤلم روحك ما ترى حولك من شرور وقسوة، لكن في جوانب أخرى خير كثير إن حاولت. ولو
ندب الأولون حظهم لما تقدمت البشرية في طريقها وظلت ساكنة جامدة، وتلك حضارات رحلت،
وسنرحل مثلهم. فكيف سيذكرنا من سيأتي بعدنا ؟؟
ومن قصة الحضارة وجدت
عبارات جميلة، وهذه بعضها، لعل فيها شيء مما نحن فيه لمن تعمق في مضمونها، الأولى:
(حقا إن
الزمن ليخلع على كل شيء مسحة من قدسية، حتى أخبث السرقات قمين أن يبدو في أيدي
أحفاد اللص الذي سرق، ملكا مقدسا لا يجوز عليه اعتداء)، والثانية: (إن كل دولة تبدأ في القهر لكن سرعان ما
تصبح عادات الطاعة هي مضمون الضمير ثم سرعان ما يهتز كل مواطن بشعور الولاء للعلم) ، والثالثة : (ومن الخطر دائما أن تأخذ بالنظريات السائدة) ، والرابعة : (الحضارة كالحياة صراع دائم مع الموت، وكما
أن الحياة لا يتسنى لها أن تحتفظ بنفسها إلا إذا خرجت عن صورها البالية القديمة
واتخذت لها صورا أخرى فتية جديدة، فكذلك الحضارة تستطيع البقاء مزعزعة الأركان
بتغيير موطنها ودمها) وغيرها الكثير فيها دروس كبيرة... لكن المقام لا يتسع لذكر كل شيء
هي وقفة سريعة مع كل تقلبات عصرنا الذي نشهد معه كل يوم حوادث لا تتوقف،
وفي كل حادثة خطيرة نتذكر أن هذا الإنسان سيبقى شبيها بأسلافه، فحب السلطة والمال
وعمى العقول عن تقبل ما لدى الآخر ستجعله أعمى عن رؤية فظاعة جرائمه، بل سيعدها
شرفا وخيرا وقربة من الله!!
(قصة الحضارة) ل ول وايرل ديورانت، سيأخذ
وقتا طويلا لقراءة ربعه فقط! تاريخ
البشرية هو تاريخنا. والقليل من الوقت يستحقه. أوقاتنا غالية ثمينة، وعقولنا تنتظر
ثمين المعرفة.
الأربعاء
17 شعبان 1434 ه
26 يونيو 2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق