الاثنين، 22 يوليو 2013

همسات 3

يُذكرنا بعضهم صبحا ومساء بالموت وما فيه من أهوال في رسائل برامج المحادثة على الهاتف، أيها الرائعون لا بأس من تذكيرنا بالموت فتلك رحلة سنقطعها جميعا ولكن رفقا بنا، وما أجمله من تذكير إن ذكرتمونا أيضا أن نحي الحياة ونعيشها كما يجب، ان نستغل كل لحظة فيها في خير ومنفعة، فالحياة لها حق أيضا، وسيحاسبنا الله عليها، وهي عبادة إن عشنا الحياة كما أمر الله. وذلك هو أفضل استعداد للموت. فما فائدة انتظار الموت إن لم نستعد له بعمل فيه خير وطاعة.

بعد سنين من الشتات والفرقة، بعد أن أبعدوه عن والديه صغيرا، وكابد شدة بعد شدة بسببهم، لما يقل لأخوته سوى: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) يوسف (92)، ذلك يوسف الصديق عليه السلام، أي قلب ذاك الذي عفا وسامح. سنين طويلة وما زال قلبك بالرحمة والحب يفيض. عليك سلام الله.

نفشل قليلا فنصرخ أن لا طاقة لنا، نواجه عقبة فنظن أن لا صعود فوقها، يبتلينا الله بأمر فيه شدة فنضع أيدينا على وجوهنا يأسا، أما يوسف الصديق عليه السلام، بعد أن خرج من سجنه، وبعد كل تلك المصائب، قال لعزيز مصر: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) يوسف (55)، أي ثقة تلك التي لم تكسر قلبا ولم تضعف همة ولم يُداخلها شكٌ في نفسها بعد كل تلك المحن، إنك قويٌ أمينٌ يا نبي الله.

950 عاما كان نوح عليه السلام يدعو قومه، 950 عاما! كيف كان صبره، كيف كان يقينه، كيف كان تقبله لكل رفض. ساعة تدبر في كتاب الله. ساعة فقط في كل يوم. هي كافية لتعلم لما القرآن حياة للقلوب، لما القرآن هو الكافي لكل روح أمام كل تحدي في الحياة. ساعة فقط، أو قل نصف ساعة!

وتعود بك الذكرى إلى زمن بعيد، يوم كنت تفعل ما تشاء بلا تفكير في غد، إلى صحب لعبت معهم، عاركتهم، خاصمتهم، تعلمت معهم، إلى زمن ظننت أن العالم هو بيتك وجيرانك ومحيطك، إلى زمن كانت الكورة هي شاغلة عقلك، وإثارة الفوضى هي متعتك، وكسر القوانين هي غايتك، إلى زمن كانت كل أحلامك في نومك هي ما تراه في شاشة كرتون. لست أدري كيف صبر أولياء أمورنا علينا، كيف هي قلوبهم واسعة في تحمل كل أخطائنا، إلى زمن نعلم أنه قد رحل، لكن ذكرى تلك الأيام ترسم بسمات وبسمات.

هل ذلك الجبل الساكن جنب حارتنا البسيطة جعلنا هكذا، حذرونا في طفولتنا مرارا من صعوده، لكن الطفل العنيد سيظل عنيدا، وهكذا تسللنا وصعدنا الجبل مرات ومرات، مرات عاقبونا عليها وكم كان قويا عقابهم، وبعضها لم يكتشفونا، وها نحن أصبحنا كبارا ولم نفكر يوما في صعوده، إنما نعشق الجلوس تحته.... ولم نرد صعود الجبل! لعلنا نعشق كسر كل قانون يُفرض علينا، لعلنا أردنا فقط أن نٌشعر أنفسنا أننا كبارا! لعلنا أردنا إثبات قوتنا أمام عصابتنا الطفولية الصغيرة.

وتنظر إلى جيل طفولي كنت أنت فيه، وإلى جيل كبير ستكون يوما فيه، بين طفولة وكبر سن مرحلة لن تعود، إن كانت ذكرى الطفولة لن تعود، فبيدنا الآن صنع ذكرى نبتسم لها فرحا عند الكبر. ذكرى تحمل خيرا فعلناه للمجتمع والأمة، ذكرى أننا كنا يوما أصحاب أثر ولسنا مجرد أشخاص كانوا ورحلوا.

يوما، تحمل كتابا، تذهب إلى وادي جميل، لا يشاركك هدوء المكان سوى خرير ماء لطيف، وحداء عصافير تحلق ساعية، تترك الحياة كلها خلفك. ما الذي يدفعنا لخلوات مثل هذه، أهو جمال أماكن ترى فيها الحياة نابضة، أم هي سكينة تبحث عنها لتعيد طاقة، أم هي رغبة البشر في التغيير دائما. لست أدري، لكنها لحظات أنت تريدها.

حاربوه في بدر وأحد والخندق وغيرها، قتلوا أحبابه، ضيقوا على أصحابه، فعلوا كل جهدهم ليقضوا عليه وعلى دعوته. وعند فتح مكة، والكل يترقب ماذا محمد صانع بهم، فاجأهم بعفو ليس كعفو البشر، اذهبوا فأنتم الطلقاء. وسكت القلم وجف اللسان. أي وصف فيك يا رسول الله هو دون الوصف، أي مدح فيك يا رسول الله هو دون المدح، يكفيك قول ربك: (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم 4، عليك صلاة الله وسلامه
بين عفو يوسف الصديق عليه السلام، وعفو محمد الأمين صلى الله عليه وسلم رسالة محبة لكل قلب كابد الكثير ولم يستطع غفران ذنوب الآخرين نحوه. حتى وإن كرهتهم، حتى وإن عاقبتهم بالهجران، سيظل العفو هو خلق الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام. عليك ألا تقع في نفس الخطأ معهم مرة أخرى بل تتعلم من كل حادثة، لكن سامح واعف.

قبل غروب شمس هذا اليوم تساقطت قطرات المطر. وفي بلاد تُشرق الشمس عليها كل يوم في العام، يأتينا الغيث زائرا نعشق وصوله، يأتينا الغيث ضيفا نتمنى طول إقامته. يوم مبارك بالغيث وبالصيام، رحمتان عظيمتان، اللهم نسألك واسع رحمتك

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك

الإثنين
13 رمضان 1434 ه

22 يوليو 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق