أمنيات ترحل.. كانت في اليد ولن تعود..
رحل رمضان، رحل حبيب جاء يحمل شفقة المحب، وكرم الجواد، ولطف الرحيم
رحلت وفينا تقصير، رحلت ولم نرع حق عشقك الذي أخبرناك عنه..
أيا رمضان.. قد رحلتَ، سأنتظر عودتك بلهفة العاشق.. فإن كنتُ حيا فذلك فضل من الله، وإن رحلتُ فعذرا على تقصيري، عذرا على تقصيري..
دخلت الجامع آخر أيام رمضان ، فوجدت ابن العاشرة موجود فجرا هناك، أخبرني أنه معتكف هذه الأيام، مع صغار بأرواح الكبار، ومع كبار بسمو الحياة.. تلك نشأة صالحة، بارك الله في أم وأب غرسوا حب الطاعة في قلوب نقية..
تلك أمنيات أن تبقى معنا كل يوم يا رمضان ... لكنه طبع المحبين.. يرحلون قليلا، لتشتد شوق القلوب لهم أكثر.
..........
جاء العيد حاملا تباشير خير لكل القلوب..
ابتسمنا صباحا فرحا وطربا.. وبكت القلوب ليلا ألما وحزنا..
فارقتنا طفلة طاهرة صغيرة، فارقتنا ابنة أختي في يوم العيد.. مؤلم رحيل الصغار، فراقهم ليس كفراق الكبار، يتركون مساحات كبيرة من فراغ داخل القلوب، وأجسادهم لا تحتل سوى مساحة صغيرة في الفضاء..
لم أحفر قبرا يوما! لا أعلم بما شعرتُ ويدي تنزل رويدا حافرة بيتا سيسكن فيه جسد الصغيرة، هل فكرتُ في حفرتي التي تنتظرني، أم في الحياة كم هي لا تستحق عناء القلق وهذا هو بيتنا، أم في أختي المسكينة التي فارقتها قطعة من روحها.. أم كنتُ أحفر وكل أفكار الحياة غادرتني.. عجيب هو مسكننا الصغير.. هطلت الأمطار قوية، كنا وأخي ننزل مع الأرض ونفتح بابا لروح غادرت دارنا إلى دار سنلحق بها قريبا، نسينا المطر وهو يهطل على رؤوسنا بقوة.. أهكذا تنسى كل شيء حولك رغم شدته وقوته عندما يشغل عقلك وقلبك شيئا أكبر منه!
تحمل جسدا صغيرا إلى مسكن أخير في هذه الحياة، زارتني أفكار أمهات فلسطين وسوريا وكل بلد تفارق الأمهات أرواح منها كل يوم.. بما تشعرن أيتها الأمهات، مؤلم رحيل الصغار.. محير أمر هذه الأفكار وساعة زيارتها، محير كم تترابط خيوط تدهشك تفاصيلها.
ربما هو عيد لتلك الصغيرة الطاهرة، عيد بأن فارقت الحياة صغيرة، لتحلق في جنان الخلد.. لعلنا نحن من يستحق البكاء عليه وليست هي، هي راحلة إلى دار لا تحمل من الحياة وزرا ولا حملا.. أما نحن فأمامنا طريق طويل أو قصير!، وسبقتنا أعمال سنجد عليها حسابا وحسابا.. أدركتُ أن حزن القلب كان على روحي أنا! على كل دقيقة ذهبت هباء، على كل قلق أوقني عن المسير، على كل ندم حرمني التمتع بيوم يستحق،على
كل ذكرى لم تستحق عناء التذكر، على كل يوم لم أعشه كما يجب. عظيم هو تقصير يشغلك عن حفرة مثل هذه!
رحمك الله أيتها الحبيبة.. كوني رحمة وسلاما على والديك ..
أمنيات ترحل.. كانت في اليد ولن تعود..
ستأتيك أفكار تخبرك وتسألك: لما لم تقض وقتا طويلا معهم؟ .. تلك أمنيات كانت بيدك يوما.. فاصنع أمنيات بيدك تحقيقها، وأعط عائلتك الباقية وقتا، فمن يدري متى سينقطع حبل اللقاء.. في يدك أمنيات ما زالت تنتظرك.. تلك أمنيات لم ترحل بعد!
لله ما أخذ، ولله ما أبقى.. تلك حكمة الله، تلك رحمة الله.. اللهم نسألك رحمتك ولطفك وعفوك
يا سماء دموعك العذبة كانت أرق وقعا على أرواحنا من دموع مالحة تؤلم الخدين، شكرا لك يا سماء، بكائك كان رحمة، بكائك كان سلاما..
أيها الراحلون أينما كنتم ومن كنتم، عليكم سلام ورحمة، سنعدكم شيئا واحدا، سيأتيني الرحيل يوما لنلحقكم، ووعدنا أننا بإذن الله سنعيش! نعيش الحياة كأننا سنبقي فيها..
أيها العيد، أتيت بالبسمة وإن خالطها حزن رقيق، أيها العيد ستبقى عيد الفرحة والسلام..
الأحد
3 شوال 1434 ه
11 أغسطس 2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق