الأحد، 18 أغسطس 2013

سلام عليك يا مصر

مع مصر لا تعلم من أين تبدأ، من أول الحكاية أم آخرها، فمصر منها تبدأ كل حكايتنا. سلام عليك يا مصر فأنتِ أم لنا جميعا.

لن أخوض طويلا في كلام يتكرر، فالعالم بأكمله مشغول بمصر، والعرب أصبحوا بين قسمين واضحين، قسم يرى دماء تسيل بلا ذنب ويستنكر ألما لما يحصل، وقسم يرقص فرحا لمنظر تلك الدماء ويطلب المزيد لتصفيتهم.

قبل النهاية سأقول للراقصين فرحا لمنظر دماء طاهرة زكية، أيها البشر إن الخلاف في الرأي فقط خلاف كلمات لا يتجاوزه، أما الدماء فتلك قضية لا خلاف فيها، لقد حرم الله دم نفس مسلمة واحدة وعدً قتلها قتل للناس جميعا، فكيف بمئات الأرواح تُهدر هكذا عبثا، لهؤلاء أقول أنتم لستم بحاجة لمراجعة إسلامكم ولكنكم بحاجة لمراجعة إنسانيتكم! ابحثوا عنها قليلا، فالإسلام دين إنسانية لا دين همجية ووحشية. ابحثوا في قلوبكم إن كانت ما زالت تنبض داخل صدوركم، راجعوا معنى أن تكون إنسانا. فمن يرقص فرحا لمقتل طفل صغير وامرأة بريئة ورجل مسالم هو جسد يتحرك بلا روح تتنفس.

في غزوة أحد هُزم المسلمون وقُتل حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وترك المسلمون الرسول يُقاتل وحيدا مع قليل من أصحابه، إلى أن ثبتهم الله بلطفه ورحمته، فعادوا وثابوا إلى رشدهم ورجعوا يدافعون عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم تكن في قلوبهم ذرة شك بصدق الإسلام أو صدق رسولهم صلى الله عليه وسلم، لكنها كانت لحظة ضعف مرت عليهم فعلمهم الله درسا كبيرا بأن الأيام دول يقلبها الله بين البشر، وأن تكون مسلما فذلك ليس سببا لانتصارك طوال الوقت. وإنما أخذك بالأسباب ونواميس الكون التي وضعها الله للبشر والتزامك بمنهج الله هو السبيل لتلك الغاية. فهل أخذنا بالأسباب في كل أمر من أمور حياتنا؟

لسنا مع فكر الإخوان وحتما لسنا مع معارضيهم. لكن أيها الإنسان ذلك ليس سببا لقتل نفس واحدة بريئة فدع عنك قتل المئات، أعلم علم اليقين أن أزمتنا نحن المسلمون والعرب هي أننا أمة تنسى سريعا وأمة لا تقرأ بل تتبع كالعمياء كل ناعق. اسأل كل من يُهاجم الإخوان وفكرهم هل قرأت يوما كتبهم؟ هل قراتها من مصادرهم هم وليس من كلام عدوهم؟ هل تعرف حقا أساس مبادئهم؟ هل من الممكن أن تذكر لي من أين أتيت بمصادر معلوماتك التي تذكرها؟ إن الطائفة العظمى ممن يهاجمونهم لم يقرأوا لهم شيئا وإنما يُرددون هكذا كل ما يُقال. ولست أقول هذا عن الإخوان فقط، بل هي معضلة نعيشها مع كل فريق نكرهه، فنحن لا نقرأ أبدا من مصادرهم بل نذهب لعدوهم ونقرأ ما كتبه عنهم. فهل من العدل والإنصاف والتثبت في الإسلام أن تتكلم عن طائفة وتكيل لها التهم ولا ترجع لمصادرها وأقوالها؟ ألم يأمرنا الإسلام بالتثبت في القول وعدم إطلاق التهم جزافا؟ لذلك أيها المسلم قبل أن تفتح لسانك وتُطلق قلمك في أي فرقة من فرق المسلمين أو غير المسلمين ارجع إلى كتبهم وانظر ماذا يقولون، وعندما تتكلم عنهم فقل إنهم يقولون هكذا في مصادرهم، وإلا سنبقى كعادتنا أمة لا تُحسن سوى أن تُقاد عمياء في كل طريق. وستكون عقولنا شيئا لا نستحقه إن لم نستعملها، ولهذا نحن المسلمون في صراع دائم بين طوائفنا فلم نستطع إنصاف بعضنا ولكننا هاجمنا كل طرف، وبعد هذا هل تظن أنه من الصعب إثارة الفتنة في أوطاننا؟

أما النسيان فتلك معضلة أخرى، لستُ أعلم هل هناك أمة يأتيها النسيان سريعا مثل أمتنا؟ جميعنا يعلم أن إعلامنا منذ زمن طويل إنما هو بوق لكل سلطة متسلطة، وجميعنا تعلمنا الدرس ألا نثق في أي إعلام رسمي فهم يبثون أخبار مشوهة مبتورة عن الحقيقة، وإذا بطائفة لا بأس بها بين عشية وضحاها أصبحت تُصدق هذا الإعلام. والمؤسف أن من يتصدرون شاشات وسائل الإعلام تلك هم أنفسهم من كانوا يحاربون بالأمس كل ثورة وطلب عن حرية ويكيلون التهم لكل صوت يطلب الحرية، ثم أصبحوا اليوم هم قادة الخبر الصحيح! وهم يُعيدون ما فعلوه بالأمس! لا تُلق اللوم على سلطة حاكمة في هذا فهم يعلمون أننا سريعا ننسى ولذلك يفعلون ما يريدون فهم يعلمون كيف نفكر – أقصد إن كنا نستطيع التفكير-!! أما النسيان الآخر فقد نسينا تاريخ طويل من ظلم مؤسسات الحكم، يكفينا أن العربي بلا كرامة حقيقية في وطنه. يكفينا أن ثروات شعوبنا لا نعلم أين تذهب، يكفينا أن بين معنى كلمة الحرية ومعنى أن تعيشها فراغ كبير لا يوجد له تفسير في قاموس العربي. أيها النسيان ألا تترك العرب قليلا ليتذكروا ما حصل قبل سنوات قليلة فقط؟ دع عنك ما حصل قبل عشرات السنين!!

تكشف لنا الأزمات زيف أقنعة كانت تتصدر كل مشهد، أقنعة بشر أخبرونا أنهم مدافعون عن حقوق الإنسان في أوطاننا، أقنعة بشر أخبرونا أنهم مثقفون بكل ما في الكلمة من معنى وأنهم يحملون قلوبا تنبض خيرا لكل الإنسانية، أقنعة بشر قالوا بأنهم مؤمنون بان الفرصة يجب أن تُتاح لكل شخص مهما كانت رؤيته وفكره. ثم هم الآن فرحون بمقتل بشر لأنهم خالفوهم! ثم هم الآن أصبحوا أول الكافرين بكلام لسانهم!! لكني أراه أمرٌ فيه خير، فهذه الأزمات تُخرج الخبث من جسد أمتنا لتُظهر لجميع الناس زيف هؤلاء. لكن اسأل الله ألا يزورنا النسيان مرة أخرى ونجعلهم في مقدمة مشهد كل أمر!!

أحبتنا في الخليج وأقصد خاصة من جعلوا من أنفسهم عباقرة التحليل في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، تحليل عن الديموقراطية والحرية والعدالة! أيها البشر رفقا بعقولنا! لقد ظننت أنكم من كوكب آخر! وهل فاقد الشيء يُعطيه؟ إننا في دول لا تعرف رائحة الديموقراطية فكيف أصبحتم عباقرة في تحليها؟! إننا في دول لا تسمح بحرية الكلمة ولا توجد فيها تلك العدالة الحقيقية! أليس أجدر بكم أن تتكملوا عن أحوال شعب الخليج ومشاكلهم اليومية من فقر وبطالة وسوء توزيع ثروة واحتكار وتضييق على الرأي. رفقا بأنفسكم فالله يسألكم. والمضحك المبكي أن ما فازوا في انتخابات مصر هم معتقلون الآن والخاسرون هم على مقاعد الحكم! فهل بعد هذا من تحليل يحتاج لعباقرة مثل من يظهرون كل يوم في وسائل الإعلام! إن كان كل من سيخسر في انتخابات عربية سيقوم بانقلابات مثل هذه فهل نحن حقا صادقون في رغبتنا في حرية ومساواة للجميع؟ أليست الأوطان ملك لجميع أهلها وفرصة الجميع فيها متساوية؟ أليس هذا حق كل مواطن يعيش في وطنه؟

لا توجد دهشة أبدا في أفعال مجرمة تسقط معها دماء بريئة، وإنما الدهشة في قلوب تظن أن هذا شيء جديد. أمامكم تاريخ مائة عام رحلت من تاريخ أمتنا. لا ترجعوا أكثر من ذلك، وأخبروني هل ترون في تاريخ امتنا شيء يتكرر ويُعيد نفسه. إن كنتَ مندهشا فتعجب أنك نسيت كل تاريخنا بما فيه، هل علمت أننا امة كثيرة النسيان. ننسى ما حصل قبل سنة فقط! لعلنا علمنا لما ظلت فلسطين مغتصبة من ملايين يهودية بسيطة وسط مئات ملايين العرب!

لا أرى يأسا يلوح في سماء أمتنا المسلمة، بل أرى خيوط فجر قادم، إن التاريخ أخبرنا أن هذه طريق سيمضي فيها كل إصلاح وتغيير، ولله الأمر من قبل ومن بعد. أيها المسلم العاقل عليك أن ترى دورك في هذه الأزمات، لا تقل ليس بيدي فعل شيء. بل بيدك أن تتعلم وتطور نفسك، بيدك تعليم أجيال جديدة، بيدك إتقان ما تفعل. لا تكن عاجزا وعبئا وثقل على أمتك، فقد شبعت الأمة من كثرة العاجزين. والبكاء والألم لن يُعيدا شيئا، وهل أرجع البكاء شيئا؟ تعلم تاريخك، فتش في كتبك، انشر ثقافتك وانشرها لكل من تقابل وتتولى مسؤوليته. امتنا لا تريد عقول فارغة تتعامل بمنطق الدم والحديد، ولا تريد عقول عاجزة تظل منتحبة باكية، بل تحتاج لعقول منتجة تغير من واقع الأمة، وترى في كل أزمة نور خير يسطع. لذلك واصل البكاء والنحيب إن أردت، أو قم وواصل طريقك. فرسولنا صلى الله عليه وسلم بعد غزوة أحد وبعد كل أزمة عظيمة وقفت أمامه لم ييأس، بل واصل الطريق. وهذه هي سمة المؤمن، {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} يوسف87

سلام عليك يا مصر، سلام عليك يا مصر، سلام عليك يا مصر

الأحد
10 شوال 1434 ه

18 أغسطس 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق