هل قرأت يوما أساطير الشعوب وحضاراتها وأديانها قراءة المتعلم الباحث
لا قراءة المستمتع فقط؟ هل تأملت في هذا الكم الهائل من الأساطير في كل حضارة وهل أخذ
انتباهك تشابه بعض تفاصليها؟ كثيرة هي الأساطير التي تناقلتها شعوب قديمة وحضارات بائدة،
أساطير بعضها تتشابه وبعضها تتكامل وبعضها يتقارب. وكأنك تقرأ نسخة أخرى من أسطورة
شعب أخرى ولكن بلغته ونكهته. ويأتيها اختلاف بسيط أحيانا وكبير أحيانا أخرى لدعم فكرة
معينة أو لنفي شيء ينبغي نفيه. لكن السؤال الأهم: كيف نشأت هذه الأساطير؟ آلهة الإغريق
واليونان، أساطير مصر والنيل، خرافات أقصى الشرق وأساطير الهند وآسيا، بابل وسومر وفارس
وأشور وكل بلاد ما بين النهرين، أوروبا وحكايتها. وهنا نحن في جزيرة العرب أيضا
منذ صغرنا ونحن نسمع من كبار السن أساطير محلية الصنع!! كل جزء من العالم له أساطيره.
لكنها تتشابه أو تتماثل، آلهة بأجنحة وشياطين بوجوه مخيفة، صراع الشر والخير، سحرة
وسحر وجن، ما بعد الموت ورحلته والعذاب والثواب وغيرها الكثير.
كل مسلم يعتقد يقينا أن آدم عليه السلام هو أبو البشر قاطبة ومنه انطلقت
الحياة في الأرض. وزوجته حواء عليها السلام كانت شريكته في بث الحياة البشرية على الأرض.
وكثير من الأساطير والأديان تعيد بداية البشرية إليهما. مع زيادات ونقصان وتغيير في
المسميات كل بما يناسبه رأيه وتصوره. لكن الجميع لديه نفس أصل القصة! أما نحن فلدينا
حقيقة ما حصل بكلام الله لنا في كتابه الكريم.
إن آدم عليه السلام والذي عاش بين ملائكة الرحمن وسجدت له بأمر الله،
ثم كان الشيطان إبليس سببا لإبعاده عن نعيم كان يعيش فيه، من المؤكد أنه نقل ﻷبنائه
وذريته تفاصيل حياته في السماء بما صاحبها من أحداث كما نقلها القرآن لنا، ثم تصور
كيف ستتغير تلك الحكاية، فمن ملائكة بأجنحة كما وصفهم الله في القرآن الكريم، يعيشون
في السماء وهم عباد الله لا حول لهم ولا قوة إلا بأمر الله، وهم مكلفون بأمر الله بتسجيل
أفعال البشر كافة للحساب، إلى أن أصبحوا في الأساطير آلهة بأجنحة تعيش في السماء تراقب
البشر وتضيق عليهم حياتهم. وإلى إبليس أكبر الشياطين والذي أعلنها صراحة بأنه سيضل
بني آدم إلى يوم الدين، إلى تلك الأساطير التي تتناقلها عنه الشعوب، وقصة خلق السماوات
والأرض والتي تتكرر كثيرا في أساطير كثيرة. سنقف أمام ما سبق قليلا، إن كانت تلك مجرد
أساطير ألفتها الشعوب فما هو مصدرها الأول؟ وكيف حصل أن تتشابه كثيرا لدرجة التماثل؟
ولما أساطير الشرق هي أساطير الغرب مع اختلاف المسميات ومكان الأحداث وبعض التفاصيل
والتي تكون كبيرة هناك وبسيطة هنا، لكن جسد وأصل الأسطورة هي نفسه. قال رب العزة
والجلال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا (15) الإسراء، (وَإِنْ
مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)24 فاطر، فالأمر قاطع هنا بأن كل أمة جاءها
نذير، ولسنا مكلفين بمعرفتهم أو البحث عنهم فتلك أمم قد خلت. ومن اليقين الذي نؤمن
به أن كل رسول سينقل نفس الرسالة والقصة، فالله واحد وقصة خلق آدم واحدة والملائكة
هم أنفسهم والشيطان هو نفسه والعقيدة واحدة ولا تتغير أبدا، والصراع بين البشر والشيطان
لم يتغير. لكن الأيام تمضي والبشر تنسى عقيدتها وتنحرف وتبدأ في إدخال كل جديد ينافي
العقيدة الصحيحة الأولى.
إن أصل الأساطير يدور حول هذه المحاور التي دارت فيها بداية البشرية الأولى
في السماء والتي أخبرنا القرآن عنها في مواضع عديدة، صراع بين البشر والشيطان، تكريم
الله لآدم فوق مرتبة الملائكة، حقيقة الملائكة وهيئة خلقهم، الثواب والعقاب والجنة
والنار وحياة ما بعد الموت، ملائكة العذاب في النار، صراع الخير والشر. ومع مخيلة البشر
العجيبة خرجت آلاف القصص من أصل بسيط. تاريخ
بشري متصل وكأنك تقرأ في مرآة لأمم متماثلة ولكن من زاوية أخرى.
ومن بين تلك الأساطير قصة الطوفان. فلا تكاد تقرأ ﻷمة وحضارة بائدة وإلا
وذُكر فيها. مع اختلاف المكان والمسمى، لكنه هو هو في أصل القصة. وفي القرآن العظيم
نص القصة الحقيقي بما حصل. هناك أمر لا تخطئه العين. هناك سلسلة طويلة من رسل وأنبياء
لكل الحضارات نقلوا عقيدة واحدة وحرفتها شعوبهم. وهذا ما نراه في القرآن الكريم، والذي ذكر نص الحقيقة المطلقة لما
حصل وصحح كل تصور خاطئ دخل فيها، وفي قصة خلق آدم عليه السلام وخروجه وحواء من
الجنة تصحيح كبير، القرآن ذكر أن آدم عليه السلام هو من اخطأ وبسبب الخطأ ذاك
خرجوا من الجنة، ولم يذكر ما سوى ذلك من تفاصيل، ولم يتعمق في القصة لأنه أراد
إخبار البشر درسا أن الخطأ يمحوه التوبة والرجوع الصادق وأن البشر معرضون للوقوع
في الخطأ، مع أن خطأ آدم عليه السلام هينا بسيطا مقارنة بما نفعله نحن!
فالأنبياء معصومون عن كل خطأ قبيح فاحش مهما كان. أما قصة البشر فقد عكست الحقيقة
رأسا، وصارت حواء هي المخطئة وسبب بلوى الحياة والبشر بسبب إضلالها آدم، وهكذا
تنعكس الحقيقة إلى أسطورة تناسب من صنعوها. والله تعالى يقول نصا قاطعا: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (121) طه، ولم يقل حواء !!
أنت ترى مجرد نسخ مشوهة مقطوعة
عن روحها في أساطير مختلفة. لكن أصلها في القرآن ينقي عنها الشوائب، فلا توجد فيها
سوى قصة واضحة المعالم تهدف لغاية واحدة، حقيقة التوحيد وروح الرسالة. وما أجمله من
تذكير جاءنا في القرآن، تذكير بأننا أمة واحدة متصلة. وهنا لا أتكلم عن كل
الأساطير. إنما تلك النصوص التي تتكرر، بينما هي في القرآن ناصعة واضحة. مع التأكيد على أن القرآن ليس كتاب قصص جاء ليرويها، فالقصص فيه
مجرد وسائل توضيح، وإنما القرآن دستور رباني جاء لتصحيح كل خطأ يعيش في عقول
البشر، جاء لتصويب حياة البشر وتنقيتها من كل تصور خاطئ.
إن أبا البشر أدم قد نقل تعاليم السماء كما أمره الله. ولا ريب بأنه نقل
تفاصيل حياته التي عاشها بين الملائكة وصراع إبليس ﻷبنائه ثم تناقلتها الأجيال من بعدهم.
لتأتي الرسل لتصحح عقيدة قام الشيطان بتنفيذ وعده الأول بأن يضل بني أدم.
إن حقيقة العقيدة التي أنزلها الله للبشر واضحة لا غموض فيها ولا تعقيد،
عقيدة تقول أن الله واحد لا مثيل ولا شبيه، أن الخالق واحد والرب واحد، بيده أمر كل
شيء، لا يقدر على نقض أمره أحد، فهو صاحب القدرة المطلقة،بيده العقاب والثواب، وله أمر كل شيء. ثم
بدأت حرب الشيطان على بني آدم والتي ذكرها الله في القرآن الكريم وذكر معها قصة آدم
وخلقه لا لنستمتع بها، بل لنتذكر أن كل انحراف في العقيدة بدأ من تلك اللحظة. وأن إبليس
سيفعل كل شيء ليحرف ذلك التصور الواضح. وهكذا صارت عقيدة التوحيد الخالصة إلى عقيدة
شرك تجمع مئات الآلهة، ثم صار انتقاص قيمة تلك الآلهة واحتقار شأنها ﻷنها تخون وتكذب
وتغش بل ربما هزمها البشر! لتتغير حقيقة الوحدانية المطلقة القادرة على كل شيء، إلى
تصور مضحك في عقول البشر، ويبدو أن إبليس لم يتوانى لحظة في حربه ضد البشر! فقد أقسم
بذلك بعزة الله عندما قال: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
82 إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 83 ) سورة ص ، وهكذا أصبحت كل الأديان السابقة صورة مشوهة،
وخرجت الأساطير والقصص لتعيد تلك القصص مرة أخرى.
تلك القبائل في الأدغال والتي عرفها العالم حديثا، لها أديان وأساطير،
تلك القبائل في قلب أفريقيا هي كذلك، كل مكان يعيش فيه بشر تجده كذلك. قد تكون أساطير
صنعها الإنسان في طريق رحلته بحثا عن الرب، قد تكون محرفة من أديان ورسالات، قد تكون
نقلا عن حضارات أخرى. لكن تلك الأساطير تجمع حقيقة واحدة هي أن الإنسان باحث عن رب
الوجود، وأن التاريخ ما هو إلا حلقة متصلة متداخلة تكاد كل نقطة تكون بدايته.
سنستمر في صنع أساطير من قصص رحلت، ستنجب خيالات البشر كل يوم روايات
لا تتوقف. وستدور قصتها عن آلهة وشياطين وملائكة وصراع بين خير وشر، وبحث عن معنى الوجود
وعن حقيقة الروح والذات، وعن حقيقة معنى الحياة والموت والحب والكره، وعن عالم ما بعد
الموت. وعن رحلة البحث عن خالق الوجود. مبهر
كم تخرج آلاف القصص والروايات والأساطير من رحم أساسات بسيطة.
هناك حقيقة مطلقة قاطعة وهي ما جاء في القرآن الكريم والصحيح الثابت من
السنة النبوية. أما قصص البشر فهي تحتمل أكثر من تفسير. أتعلم، ربما ﻷنها أساطير ستظل
محاولات ربطها بمصدرها ونشأتها وانتقالها بين الشعوب أيضا من باب الأساطير! لكن الفارق هنا أن المسلم مؤمن بلا شك يداخله بعالم الغيب من ملائكة
وجن وشياطين، وعالم ما بعد الموت بكل ما فيه، ولا يدفعه ذلك للبحث عن ماهية ذلك
الغيب، فالله وحده العالم، لذلك يعيش مطمئن النفس والبال يجمع بين حياة يراها في
واقعه وحياة غيبية مؤمن بها. ولك أن تتصور حجم المعاناة التي يعيشها كل من يبحث عن
تلك العوالم الغيبية التي تكفل الله بها!
ولكن لنكن صرحاء مع نفوسنا. ألسنا نعشق قصص الخيال؟ ألا تجذبنا بغموضها؟
أليس البشر بتقدمهم وعلومهم مولعون بكل ما هو أسطوري! في كتبهم وقصصهم ورواياتهم وأفلامهم.
لعلها جزء من روحنا أن نتشوق لمعرفة كل ما هو غامض. أليس الخيال هو بداية كل ما هو
حقيقي في عالمنا اليوم؟! ولست أقصد هنا أحلام اليقظة وأوهامها التي يعيش فيها البعض
وتجعلهم يحلمون بأشياء ويظلون في حلمهم غارقين، والتي تعطل القدرات وتقتل العقول فتلك
مفسدة لكل طاقة وعزيمة! إنما أقصد تلك المخيلة الجميلة التي تنظر بها للعالم بنظرة
أوسع والتي تنتج شيئا حتى وإن كان أسطورة!
ألا يعيش في داخل كل منا طفل صغير يبتسم فرحا أمام كل أسطورة، أم أنه
ليس طفلا! بل شيء من أصل روحنا يظل كما هو وإن كبرنا! لم يكتب الأطفال يوما قصة أسطورية
ظلت عالقة بالأذهان، ولكن كتبها راشدون كبار من كل وطن وزمن وعصر وحضارة. ألا يحوي
القرآن الكريم قصص السابقين ﻷنه يخاطب بشرا تعلق القصة في أذهانهم أكثر ويجدون الدرس
فيها واضحا.
لعل القصة بدأت من هنا، عندما
حكى آدم عليه السلام قصة أول بشري، قصة خلقه وحياته الأولى وصراعه الأبدي حكاها ﻷبنائه،
ونقلوها لذريتهم وتناقلتها كل البشر بعدها، وجاء الأنبياء لتصحيحها. لعلها هكذا بدأت
أولى القصص!
وربما ما كتبته هنا هو من قبيل تلك القصص الخيالية. تلك الخيالات التي
تزور عقلك، فتبدأ في رسم مشاهد، وتأتي معها تساؤلات، وتتلوها خيوط تربط بين هذا وذاك،
ثم تراها حقيقة مكتوبة أمامك. لذلك ابتسم إن وجدته كتلك الخيالات الجميلة، وأعذر عقلا
ما زال يبحث ويرى ويتعلم إن رأيت في قلمي هفوات كثيرة. وقل سلام قولا من رب رحيم.
كأني أكثرت قليلا من قراءة قصص الخيال وحان وقت كتب الواقع!
الأحد
10 شوال
1434 ه
18 8
2013
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق