العماني والقطط قصة طريفة لطيفة ينبغي عدم نسيانها، من صغرنا وكل بيت
فيه قطة تعيش بيننا كأنها من أهل البيت! ومن حب القطة ﻷهل البيت مهما فعلوا من زجر
ونهر وإبعاد لها فإنها تعود مرة أخرى، وكأنها تخبرهم بأنني أحبكم حتى وإن
كرهتموني! لعلنا نرسل رسالة للغرب المولع بتربية القطط والكلاب أننا أيضا نستمتع
بتربيتها -وإن كنا مقهورين لا محبين –.
وقططنا جميلة طيبة غير متطلبة فلا تطلب تنظيفا ولا فراشا خاصا أو حتى
طعاما خاص بل هي أصبحت بشرية تأكل كل أصناف الطعام التي نأكلها، ولا تطلب الذهاب
إلى الطبيب. وأشك أن القطط لديها أطباء خاصون من فصيلتها السنورية وربما أحد القطط
في حارتنا لديه عيادة يستقبل فيها القطط المريضة! فلم أرها مريضة يوما. أما نحن
فرغم مستشفياتنا الحديثة المتطورة المدهشة فالأمراض لا تغادرنا، ربما نحن نحتاج
أطباء من عالم القطط هنا!
وربما أشكالها ليست بجمال قطط الغرب والشرق لكنها قانعة مثلنا، ويبدو
أنها تعلمت الرضى والقناعة وتقبل الأمر الواقع منا أو نحن تعلمنا من حكمتها! ونعم
نحن لطيفون جدا مع القطط وأمثالها ونحبها -وإن كنا في الحقيقة نحب لحوم الحيوانات
التي نستطيع أكلها، فتلك تشبع بطوننا الجائعة، وهذه القطط تأكل معنا-!
ولن تعجب يا زائرنا الكريم وأنت ترى القطط تجلس متربعة صدر المنزل بل
العجب ألا تكون في استقبال الزائرين. سأطالب يوما منحها بطاقة هوية كبطاقات
الأبقار في بعض الدول الأوروبية، فقططنا أغلى منها وهي تراث وطني يجب الحفاظ عليها
-تراث وهي فوق رؤوسنا قاهرة! -
وقطتنا التي لم نشتريها ولم نعرف من أين جاءت أظنها تعلمت في معهد
القطط البيتي، فهي جاءت فجأة وظهرت ظهور الأشباح ورفضت الخروج. وزادها إصرارنا على
إبعادها تشبثا بنا -تعلموا أيها البشر معنى الحب والإصرار من القطط! - وهكذا ظلت
فوق رؤوسنا!
أيها الغرب الرحيم، قلوبنا أيضا رحيمة فلدينا قطط بمثل عدد الشعب. ولا
ندللها أو نميزها، ﻷنها جعلت نفسها مثل أبناء البيت، فهل رأيتم مساواة وعدالة
للحيوان أكثر من هذه. تحية لكل قطة عنيدة، تحية لكل قطة لديها وسائل اقناع لا
يملكها البشر.
يوما ما ستطالب القطط بحقها
في المشاركة في الوطن! ولما لا، فهي فرد حقيقي في معظم بيوتنا. فربما هي أقلية
اليوم لكنها ستصير أكثر منا بعد سنين! وما زلت أفكر في تلك العيادة العجيبة للقطط
وذلك القط الذي تخصص في معالجتها، إنه طبيب ماهر جدا عندما جعلها هكذا بصحة جيدة
ومستعدة لتأكل كل شيء! وربما كل عربي لديه قطة مثلنا فرضت نفسها عليه، وذلك من حب
القطط لكم أيها العرب لا غير، وما أحلاه من حب! تكفيك تلك النظرات البريئة من عيونها
الزرقاء والخضراء تارة والصفراء تارة أخرى لتخبرك كم هي ضعيفة ولطيفة، ولا يملك قلبك
الرحيم سوى حبها. لكن أظافرها ستنهشك في لحظة خاطفة دون سبب أو علم! كل ذلك من قطة
صغيرة لطيفة بريئة محبة للبشر!
أظن أن قططنا اللطيفة تعتقد أن من حقها البقاء في بيوتنا وأكل طعامنا
ومشاركتنا كل لحظة، فهي تعتقد أن ذلك مقابل حمايتنا من الفئران المرعبة! والأفاعي
السامة. مع العلم أن الأفاعي تعيش في الجبال والسيوح وستكون محظوظا إن رأيت واحدا -وحقيقة
الأمر لم أرها في حياتي سوى مرتين فقط، أحدها في حديقة الحيوان-! والفئران لم نرها
منذ زمن بعيد! ويقيني أن الفئران والأفاعي مدركة لحالتنا ومآسينا اليومية، ولذلك
رقت لحالنا وتركتنا نعيش فلن تجد معنا ما تأكله! لكن تفكير القطط الإبداعي قادها لاستباق
الحدث فمن يدري متى ستغزونا هذه الفئران والأفاعي والتي عقدت معنا صلحا وسلما منذ
زمن بعيد!
والمحير في أمر القطط أنه عندما يأتي قط ليستعمر بيتك أقصد ليحل ضيفا
كريما عليه، فإنه يعتبره ملكا خاصا له لا تشاركه فيه بقية القطط. والمحير هنا أن
بقية القطط تعرف هذا وكأن هناك قانونا مرسوما بينهم، ولذا من النادر رؤية قط جديد
في منزلك أو ينوي احتلاله، وإن تجرأ أحدهم وخالف المعاهدة فقطك اللطيف سيتكفل
بالأمر. رغم أننا نرى بينها كل يوم معارك طاحنة ونسمع صراخا قويا يُذهب النوم عن
عينيك أحيانا، لعل ذلك أمام أعيننا فقط! وأشك أنها عقدت مؤتمرا في حارتنا وقامت
بتقسيم البيوت فيما بينها! لعلنا نحن العرب بحاجة لمؤتمر عملي كمثل هذه القطط
نُقرر وننفذ، وليس خطابي كعادتنا!!
علمونا من صغرنا أن مصالح القطط والكلاب تختلف وتتباين، وقد تقوم
بينها حروب عظيمة ربما على قطعة عظم صغيرة! وقد صدقنا ذلك تصديقا صار كالاعتقاد.
لكن واقع القطط يقول غير ذلك، فالكلاب موجودة بيننا وعدد القطط يزيد ولم يقل،
وتعوي الكلاب كل ليلة مهددة القطط بوجودها! هل حلوا خلافاتهم العظيمة وتيقنوا أن
تلك العظمة البيضاء لم تعد كافية، ولهذا فقد قرروا تقاسم غنائم بيوتنا المسكينة.
مع التظاهر بشدة العداء بينهما! أصبحتُ لا أستعبد شيئا، فالقطط والكلاب أعدت لنا
مؤامرة كونية خطيرة! وصرتُ على يقين أن قيادات القطط والكلاب حكيمة جدا، فهي تعمل
بصمت وتنفذ. أما نحن العرب فلدينا صدى صوت كبير يُردد خططنا ولا نراها في حياتنا!
ورحم الله أيام القطط الماضية المشردة، التي كانت تعيش على المزابل
وبين ركام فضلات البشر من طعام وغيره، وكانت تهرب سريعا عند رؤيتك. فقطط اليوم
أصبحت تأكل الطعام المطبوخ وتنام في غرف مكيفة، وإن قابلت أحدها في الطريق فستنظر
إليك نظرة باردة ساخرة!
ولخبرة القطط الواسعة فينا والتي أخبرتها أن العماني خاصة والعربي
بشكل عام واسع القلب، مصدق أن كل مصيبة تقع عليه إنما هي نعمة وأنه سيتقبلها بنفس
راضية ولن يحاول تغييرها، فهو يعتقد جازما أن تقبل المصيبة هو الحل فقط ولا داعي
لتغييرها! ولهذا فالقطط نعمة نحصل من ورائها على حسنات وثواب. وهي تعلم أننا لن
نفكر أن بعض المصائب إنما هي تعليم وابتلاء بما كسبت أيدينا وأن علينا مراجعة
أنفسنا لنعلم سبب مصيبة القطط التي حلت علينا! ولعلمها بهذا نامت مرتاحة البال
مطمئنة القلب وتصدرت أفضل مكان في البيت وأكلت الطعام وشربت الشراب ونامت على
أسرتنا، وبتنا نحن خدمٌ لقططنا المشردة. وسلمنا نحن بالأمر!
أما العصافير الجميلة فهي تراقبنا في صمت من نخيلنا الباسقة، وتعجب من
سذاجتنا وسرعة تقبلنا لكل وضع نكون فيه، وتساءلت إلى متى؟؟.
فهل علمتم سبب عشقنا القطط!!
ولك فهم ما كتبتُ كما شئت أيها القارئ الجميل. ربما هي ذكرى قطة جدتي
فقط، زارتني وجاءت معها خيالات كثيرة كالعادة!!! وربما في السطور أمر أكبر وأهم من
قطة مسكينة لا حول لها ولا قوة! أقول ربما!
الثلاثاء
19 شوال 1434 ه
27 أغسطس 2013 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق